وهو الذي أرسل الرياح قرأ ابن كثير الريح على التوحيد إرادة للجنس والباقون على الجمع ملاحظة للإفراد بشرا قرأ الجمهور بضم النون والشين من النشور وابن عامر بضم النون وسكون الشين على التخفيف وأصله ضم الشين جمع ناشرة يعني ناشرات للسحاب وقرأ حمزة والكسائي بفتح النون على أنه مصدر وصف به قرأ عاصم بضم الباء التحتانية وتخفيف الشين تخفيف بشر جمع بشير بمعنى مبشرين بين يدي رحمته أي قدام المطر وأنزلنا من السماء ماء طهورا عطف على أرسل على سبيل الالتفات من الغيبة إلى التكلم والطهور إما اسم لما يتطهر به كالسحور لما يتسحر به و الفطور لما بفطر به كما في قوله صلى الله عليه وسلم :" إن الصعيد الطيب طهور المسلم ما لم يجد الماء ولو إلى عشر حجج " ١ رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي ذر وصححه وقوله صلى الله عليه وسلم :" جعلت لنا الأرض كلها مسجدا وترابها طهورا " ٢ إما مصدر كالقبول ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :" طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب " ٣ رواه مسلم وأبو داود عن أبي هريرة وإنما وصف الماء به مبالغة وما صفة للمبالغة كالصبور والشكور والقطوع بمعنى الكامل في الطاهرية قال البغوي ذهب قوم إلى أن الطهور ما يتكرر به التطهير كالصبور اسم لما يتكرر منه الصبر والشكور اسم لما يتكرر به الشكر وهو قول مالك حتى جوزوا الوضوء بالماء الذي استعمل في الوضوء مرة قلت وهذا ليس بشيء لأن الفعول ليس من التفعيل في شيء وأيضا لا دلالة فيه على التكرار بل على المبالغة إلا أن يقال الكمال في الطاهرية إما بأن يكون طاهرا في نفسه مطهرا لغيره وقد ثبت كون الماء على هذه الصفة بالنصوص والإجماع والنقل المتواتر وإما بأن كان طاهرا بحيث لا ينجسه شيء وبه قال مالك محتجا بقوله صلى الله عليه وسلم :" الماء لا ينجسه شيء " ٤ رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان عن ابن عباس وروي أصحاب السنن الأربعة بلفظ " إن الماء لا يخبث " ورواه الدارقطني عن عائشة والطبراني في الأوسط وأبو يعلى والبزار وأبو علي بن السكن في صحاحه من حديث شريك وروى أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد الخذري قال قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الماء طهور لا ينجسه شيء " وروى أبن ماجه عن أبي سعيد قوله صلى الله عليه وسلم في الحياض تردها السباع والكلاب والحمر " لها ما حملت في بطونها ولنا ماء غير طهور " فإن قيل هذه الأحاديث متروكة بالإجماع حتى أن مالكا يقول أن الماء إذ تغير أحد أوصافه يتنجس بوقوع النجاسة فيه قلنا : إذا تغير أحد أوصاف الماء فهو ليس مطلق وكلامنا في الماء المطلق.
والجواب عن هذا الاحتجاج أن المراد بالماء هاهنا الماء المعهود يعني الماء الكثير المستقر في الحياض وفي بئر بضاعة ونحو ذلك حتى يندفع التعارض بين هذه الأحاديث وأحاديث أخر تدل على تنجس الماء بوقوع النجاسة فيه وإن لم يتغير أحد أوصافه منها قوله صلى الله عليه وسلم :" طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب " رواه مسلم وأبو داود ومنها قوله صلى الله عليه وسلم :" لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يتوضأ منه " ٥ متفق عليه وهذا لفظ البخاري ومنها قوله صلى الله عليه وسلم " إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإنائ حتى يغسلها ثلاثا فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده " ٦ رواه مالك والشافعي وأحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة وقد روى نحو هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمر وجابر وعائشة فحملنا أحاديث تنجس الماء على القليل وأحاديث عدم التنجس على الكثير فاختلف العلماء في حد الكثير ؟ فقال الشافعي وأحمد الماء إذا بلغ القلتين ( وهي خمسمائة رطل بالبغدادي وبالمساحة ذراع وربع ذراع طولا وعرضا وعمقا ) فهو كثير لا يتنجس إلا إذا تغير بالنجاسة طعمه أو لونه أو ريحه وما دونه قليل يتنجس وقال أبو حنيفة ما لا يصل فيه النجاسة من جانب إلى جانب آخر على أكبر رأي المبتلي به فكثير وإلا فقليل وقدره بعض المتأخرين بعشر في عشر وقيل خمسة عشر في خمسة عشر وقيل إثني عشر وقيل ثمان في ثمان وقيل سبع في سبع بذراع الكرباس وهي سبع قبضات كل قبضة أربع أصابع والتقدير غير منقول عن أبي حنيفة ولا عن صاحبه
وجه قول أبي حنيفة أن التقدير لم يرد من جهة الشارع وحديث القلتين ضعيف فيجب تفويضه إلى رأي المبتلى به واحتج الشافعي وأحمد بحديث القلتين والحق انه حديث صحيح رواه الشافعي وأحمد والأربعة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي من حديث عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن أبيه ولفظ أبي داود " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث " ٧ ولفظ الحاكم " إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء " وفي رواية لأبي داود وابن ماجه " فإنه لا ينجس " قال الحاكم صحيح على شرطهما وقد احتجا بجميع رواته وقال ابن مندة إسناده على شرط مسلم وقد اعترف الطحاوي بصحة الحديث أيضا فإن قيل مدار هذا الحديث على الوليد بن كثير فقيل عنه عن محمد بن جعفر بن الزبير وقيل عنه عن محمد بن عباد بن جعفر تارة عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر وتارة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر قلنا : قال الحافظ هذا الاضطراب ليس بقادح فإنه على تقدير كون الجميع محفوظا انتقال من ثقة إلى ثقة وعند التحقيق الصواب عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر المكبر وعن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر المصغر ومن رواه على هذا غير هذا الوجه فقد وهم وقد رواه جماعة عن الوليد بن كثير على الوجهين قال الدارقطني القولان صحيحان عن أسامة عن الوليد وله طريق ثالث رواه الحاكم وغيره من طريق حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر سأل ابن معين عن هذا الطريق فقال إسناده جيد فإن قيل قد روي لم يحمل خبثا وقد روي لم ينجسه شيء وقد روي لا يتنجس ؟ قلنا هذا مبني على الرواية بالمعنى وهي صحيحة والاضطراب في المتن لا يقال إلا عند التعارض. فإن قيل قد روى بالشك قلتين أو ثلاثا روى أحمد عن وكيع والدارقطني عن يزيد بن هارون كلاهما عن حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه مرفوعا " إذا بلغ الماء قلتين أو ثلاثا لم ينجسه شيء " قلنا : قال ابن الجوزي قد اختلف عن حماد فروى عنه إبراهيم بن الحجاج وهذبه وكامل بن طلحة فقالوا قلتين أو ثلاثا وروى عنه عقان ويعقوب بن إسحاق الحضرمي وبشر بن السري والعلاء بن عبد الجبار وموسى بن إسماعيل وعبيد الله بن موسى العبسي " إذا كان الماء قلتين " ولم يقولوا ثلاثا واختلف عن يزيد بن هارون فروى عنه ابن السباح بالشك وروى عنه ابن مسعود بغير شك فوجب العمل على قول من لم يشك قلت ويمكن أن يقال أن كلمة أوليس للشك بل للترديد والتخبير والمعنى أي المبلغين بلغ الماء لا يتنجس فلا يتنجس إذا بلغ القلتين كما لا يتنجس إذا بلغ ثلاثا. فان قيل قد روي أربعين قلة رواه الدارقطني وابن عدي والعقيلي عن القاسم بن عبد الله العمري عن محمد بن المنكذر عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا بلغ الماء أربعين قلة فانه لا يحمل الخبث " قلنا : قال أحمد المقاسم كان يكذب ويضع الحديث وكذا قال يحيي بن معين وأبو حاتم الرازي وأبو زرعة فلا يضطرب بروايته الحديث الصحيح فإن قيل روى الدارقطني بإسناد صحيح من طريق روح بن القاسم عن محمد بن المنكدر عن ابن عمر موقوتا إذا بلغ الماء أربعين قلة لم يتنجس ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن ابن المنكدر عنه نحوه ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن المنتكدر عنه نحوه وقول الراوي على خلاف ما رواه طعن الحديث قلنا : أولا أن مفهوم الشرط ليس بحجة عند أبي حنيفة مطلقا وكذا عند الشافعي وغيره إذا خرج على طبق السؤال وثانيا بأن القلة لفظ مشترك يطلق على الكوز والجرة أيضا صغرت أو كبرت فيحمل حديث الأربعين على الصغيرة التي تساوى عشرون منها قلة واحدة كبيرة لدفع التعارض فإن قيل إذا كان القلة لفظا مشتركا بين الجرة والقربة والدلو ورأس الجبل وغير ذلك قال في القاموس القلة بالضم أعلى الرأس والسنام والجبل أو كل شيء والجب العظيم والجرة العظيمة أو عامة أو من الفخار والكوز الصغير ضد والتقييد بقلال هجر لم يثبت في الحديث الصحيح المرفوع وما رواه ابن عدي من حديث ابن عمر رضي الله عنه " إذا بلغ الماء قلتين من قلال هجر لم ينجسه شيء " ففي إسناده صغيرة بن صقلان وهو منكر الحديث فلا بد أن يترك العمل بالحديث ما لم يتبين المراد منه كما هو الحكم المجمل ومن ثم قال الطحاوي هذا حديث صحيح لكنا تركنا العمل به لعدم علمنا بالقلتين قلنا : قد ترجح حد معانيه وهي قلال هجر بوجوه فوجب العمل به لأن رأس الجبل وكذا أعلى الرأس والسنام غير مراد بالإجماع لأن وصول الماء إلى رأس الجبلين في الإرتفاع لا يتصور إلا في البحر المحيط أو عند الطوفان وأعلى الرأس والسنام أيضا غير مراد للإجماع على أن الماء أقل من ذلك القدر يصير كثيرا فوجب الانصراف إلى الأواني وبعد الانصراف إلى الأواني ترجح قلال هجر بوجوه أحدها كثرة استعمال العرب لفظ القلة لهذا المعنى في إشعارهم كذا قال أبو عبيدة في كتاب الطهور قال البيهقي قلال هجر كانت مشهورة عندهم ولهذا شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى ليلة المعراج من سدرة المنتهى فإذا أوراقها مصل إذان الفيلة وإذا نبقها مثل قلال هجر ثانيها أن قلال هجر أكبرها كذا قال الأزهري فجعل الشارع الحد مقدرا بالعدد يدل على أن المراد بها أكبرها لأنه لا فائدة في تقديرها لقلتين صغيرتين مع القدرة على تقديره بواحدة كبيرة ثالثها أن الكبيرة إن كانت مراد مذاك وإن كانت الصغيرة مرادة فعدم تنجس الماء عند البلوغ قدر القلتين الكبيرتين أولى للقطع لوجود الصغيرة في الكبيرة فحملنا القلتين على الكبيرتين احتياطا وبه يحصل التيقن والله أعلم فإن قيل قد ضعف حديث القلتين الحافظ ابن عبد البر والعاصي إسماعيل بن إسحاق وأبو بكر بن الولي المالكيون قال ابن عبد البر ما ذهب إليه الشافعي مذهب ضعيف من جهة النظر غير ثابت من جهة الأثر لأنه حديث تكلم فيه جماعة من أهل العلم ولأن القلتين لم يوقف على مبلغها في أثر ثابت ولا إجماع قلنا أقوالهم إجمالات للأسئلة المتقدمة ولم يقل أحد بتضعيف واحد من رواته فإنهم رجال الصحيحين فإذا ظهر لك أجوبة الأسئلة اندفع ما قالوا والله أعلم.
مسألة :
لا يجوز الوضوء والغسل بغير الماء من المائعات الطاهرة إجماعا لقوله تعالى : فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا ٨ وهل يجوز التطهير من النجاسة الحقيقية بغير الماء من المائعات الطاهرة أم لا ؟ قال الجمهور لا يجوز وقال أبو حنيفة يجوز احتج البغوي للجمهور بهذه الآية وقال الطهور في الآية بمعنى المطهر لما قال في آية أخرى وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم ٩ فثبت أن ال
٢ أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة (٥٢٢)..
٣ أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة باب: حكم ولوغ الكلب (٢٧٩) وأخرجه أبو داود في كتاب الطهارة باب: الوضوء بسؤر الكلب (٧١).
٤ أخرجه الترمذي في كتاب: الطهارة باب: ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء (٦٦) وأخرجه أبو داود في كتاب: الطهارة باب: ما جاء في بئر بضاعة (٦٧) وأخرجه النسائي في كتاب: المياه (٣٢٠).
٥ أخرجه البخاري في كتاب: الوضوء باب: البول في الماء الدائم (٢٣٦) وأخرجه مسلم في كتاب الطهارة باب: النهي عن البول في الماء الدائم (٢٨٢)..
٦ أخرجه مالك في أبواب: الصلاة باب: غسل اليدين في الوضوء (٩) وأخرجه البخاري في كتاب: الوضوء باب: الاستجمار وترا (١٦٠) وأخرجه مسلم في كتاب الطهارة باب: كراهة غسل المتوضئ وغيره يده المشكوك في الإناء قبل غسلها (٢٧٨)..
٧ أخرجه أبو داود في كتاب: الطهارة (٦٧) وأخرجه الترمذي في كتابك الطهارة باب: ما ينجس الماء (٦٣).
٨ سورة المائدة الآية: ٦..
٩ سورة الأنفال الآية: ١١.
التفسير المظهري
المظهري