ﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒ

وهو الّذى يتوفّيكم باللّيل ومنه المسبوت للميت وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً اى ذا نشور وانتشار ينتشر فيه الناس لاكتساب المنافع الدينية والدنيوية.
وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ قرا ابن كثير الرّيح على التوحيد ارادة للجنس والباقون على الجمع ملاحظة للافراد بُشْراً قرا الجمهور بضم النون والشين من النشور وابن عامر بضم النون وسكون الشين على التخفيف وأصله ضم الشين جمع ناشرة يعنى ناشرات للسحاب وقرا حمزة وخلف ابو محمد والكسائي بفتح النون على انه مصدر وصف به وقرا عاصم بضم الباء التحتانية وتخفيف الشين تخفيف بشر جمع بشير بمعنى مبشرين بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ اى قدام المطر وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً عطف على أرسل على سبيل الالتفات من الغيبة الى التكلم والطهور اما اسم لما ينطهر به كالسحور لما يتسحر به والفطور لما يفطر به كما فى قوله ﷺ ان الصعيد الطيب طهور المسلم ما لم يجد الماء ولو الى عشّر حجج رواه احمد وابو داود والترمذي عن ابى ذر وصححه وقوله صلى الله عليه واله وسلم جعل لنا الأرض كلها مسجدا وترابها طهورا واما مصدر كالقبول ومنه قول ﷺ طهور اناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب ان يغسل سبع مرات أولهن بالتراب رواه مسلم وابو داود عن ابى هريرة وانما وصف الماء به مبالغة وما صفة للمبالغة كالصبور والشكور والقطوع والضحوك بمعنى الكامل فى الطاهرية قال البغوي ذهب قوم الى ان الطهور ما يتكرر به التطهير كالصبور اسم لما يتكرر منه الصبر والشكور اسم لما يتكرر منه الشكر وهو قول مالك حتى جوز والوضوء بالماء الّذى استعمل فى الوضوء مرة. قلت وهذا ليس بشئ لان الفعول ليس من التفعيل فى شىء وايضا لا دلالة فيه على التكرار بل على المبالغة الا ان يقال الكمال فى الطاهرية اما بان يكون طاهرا فى نفسه مطهرا لغيره وقد ثبت كون الماء على هذه الصفة بالنصوص والإجماع والنقل المتواتر واما بان كان طاهرا بحيث لا ينجسه شىء وبه قال مالك محتجا بقوله ﷺ الماء لا ينجسه شىء رواه احمد وابن خزيمة وابن حبان عن ابن عباس رض وروى اصحب السنن الاربعة بلفظ ان الماء لا يخبث ورواه الدار قطنى عن عائشة رض والطبراني فى الأوسط وابو يعلى والبزار وابو على بن السكن فى صحاحه من حديث شريك وروى احمد والترمذي وابو داود والنسائي عن ابى سعيد الخدري قال قيل يا رسول الله أنتوضا من بئر بضاعة وهى بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن فقال رسول الله ﷺ ان الماء طهور لا ينجسه شىء. وروى ابن ماجة عن ابى سعيد قوله ﷺ فى الحياض تردها السباع والكلاب والحمر لها ما حملت فى بطونها

صفحة رقم 32

ولنا ما غير طهور. فان قيل هذه الأحاديث متروكة بالإجماع حتى ان مالكا يقول ان الماء إذا تغير أحد أوصافه يتنجس بوقوع النجاسة فيه قلنا إذا تغير أحد أوصاف الماء فهو ليس بماء مطلق وكلامنا فى الماء المطلق. والجواب عن هذا الاحتجاج ان المراد بالماء هاهنا الماء المعهود يعنى الماء الكثير المستقر فى الحياض وفى بئر بضاعة ونحو ذلك حتى يندفع التعارض بين هذه الأحاديث وأحاديث اخر تدل على تنجس الماء بوقوع النجاسة فيه وان لم يتغير أحد أوصافه منها قوله ﷺ طهور اناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه ان يغسل سبع مرات أولهن بالتراب. رواه مسلم وابو داؤد ومنها قوله ﷺ لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم الّذى لا يجرى ثم يتوضا منه متفق عليه وهذا لفظ البخاري ومنها قوله ﷺ إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده فى الإناء حتى يغسلها ثلاثا فان أحدكم لا يدرى اين باتت يده. رواه مالك والشافعي واحمد والبخاري ومسلم واصحاب السنن الاربعة عن ابى هريرة رض وقد روى نحو هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ابن عمر رض وجابر رض وعائشة رض فحملنا أحاديث تنجس الماء على القليل وأحاديث عدم التنجس على الكثير فاختلف العلماء فى حد الكثير فقال الشافعي واحمد الماء إذا بلغ القلتين (وهى خمسمائة رطل بالبغدادي وبالمساجة ذراع وربع ذراع طولا
وعرضا وعمقا) فهو كثير لا يتنجس الا إذا تغير بالنجاسة طعمه او لونه او ريحه وما دونه قليل يتنجس. وقال ابو حنيفة ما لا يصل فيه النجاسة من جانب الى جانب اخر على اكبر رأى المبتلى به فكثير والا فقليل وقدّره بعض المتأخرين بعشر فى عشر وقيل خمسة عشر فى خمسة عشر وقيل اثنى عشر فى اثنى عشر وقيل ثمان فى ثمان وقيل سبع فى سبع بذراع الكرباس وهى سبع قبضات كل قبضة اربع أصابع والتقدير غير منقول عن ابى حنيفة ولا عن صاحبية. وجه قول ابى حنيفة ان التقدير لم يرد من جهة الشارع وحديث القلتين ضعيف فيجب تفويضه الى رأى المبتلى به. واحتج الشافعي واحمد بحديث القلتين والحق انه حديث صحيح رواه الشافعي واحمد والاربعة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدار قطنى والبيهقي من حديث عبد الله بن عبد الله بن عمر رض بن الخطاب عن أبيه ولفظ ابى داود سئل رسول الله ﷺ عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب فقال رسول الله ﷺ إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث ولفظ الحاكم إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شىء.
وفى رواية لابى داود وابن ماجة فانه لا بنجس قال الحاكم صحيح على شرطهما وقد احتجا بجميع رواته

صفحة رقم 33

وقال ابن مندة اسناده على شرط مسلم وقد اعترف الطحاوي بصحة الحديث ايضا فان قيل مدار هذا الحديث على الوليد بن كثير فقيل عنه عن محمد بن جعفر بن الزبير وقيل عنه عن محمد بن عباد بن جعفر تارة عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر رض وتارة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر رض قلنا قال الحافظ هذا الاضطراب ليس بقادح فانه على تقدير كون الجميع محفوظا انتقال من ثقة الى ثقة وعند التحقيق الصواب عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر المكبر وعن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر المصغر ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهم وقد رواه جماعة عن الوليد بن كثير على الوجهين قال الدار قطنى القولان صحيحان عن الاسامة عن الوليد وله طريق ثالث رواه الحاكم وغيره من طريق حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر سئل ابن معين عن هذا الطريق فقال اسناده جيد فان قيل قد روى لم يحمل خبثا وقد روى لم ينجسه شىء وقد روى لا يتنجس قلنا هذا مبنى على الرواية بالمعنى وهى صحيحة والاضطراب فى المتن لا يقال الا عند التعارض فان قيل قد روى بالشك قلتين او ثلاثا روى احمد عن وكيع والدار قطنى عن يزيد بن هارون كلاهما عن حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه مرفوعا إذا بلغ الماء قلتين او ثلاثا لم ينجسه شىء قلنا قال ابن الجوزي قد اختلف عن حماد فروى عنه ابراهيم بن الحجاج وهذبه وكامل بن طلحة فقالوا قلتين او ثلاثا وروى عنه عقان ويعقوب بن إسحاق الحضرمي وبشر بن السرى والعلاء بن عبد الجبار وموسى بن اسمعيل وعبيد الله بن موسى العبسي إذا كان الماء قلتين ولم يقولوا ثلاثا واختلف عن يزيد بن هارون فروى عنه ابن السباح بالشك وروى عنه ابن مسعود رض بغير شك فوجب العمل على قول من لم يشك قلت ويمكن ان يقال ان كلمة او ليس للشك بل للترديد والتخبير والمعنى اى المبلغين بلغ الماء لا يتنجس فلا يتنجس إذا بلغ القلتين كما لا يتنجس إذا بلغ ثلاثا. فان قيل قد روى أربعين قلة رواه الدار قطنى وابن عدى والعقيلي عن القاسم بن عبد الله العمرى عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ إذا بلغ الماء أربعين قلة فانه لا يحمل الخبث قلنا قال احمد المقاسم كان يكذب ويضع الحديث وكذا قال يحيى بن معين وابو حاتم الرازي وابو زرعة فلا يضطرب بروايته الحديث الصحيح فان قيل روى الدار قطنى بإسناد صحيح من طريق روح بن القاسم عن محمد بن المنكدر عن ابن عمر موقوفا إذا بلغ الماء أربعين قلة لم يتنجس. ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن ابن المنكدر عنه نحوه ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن المنكدر عنه نحوه وقول

صفحة رقم 34

الراوي على خلاف ما رواه طعن الحديث قلنا اولا ان مفهوم الشرط ليس بحجة عند ابى حنيفة مطلقا وكذا عند الشافعي وغيره إذا خرج على طبق السؤال وثانيا بان القلة لفظ مشترك ليطلق على الكوز والجرة ايضا صغرت او كبرت فيحمل حديث الأربعين على الصغيرة التي تساوى عشرون منها قلة واحدة كبيرة لدفع التعارض. فان قيل إذا كان القلة لفظا مشتركا بين الجرة والقربة والدلو ورأس الجبل وغير ذلك قال فى القاموس القلّة بالضم أعلى الرأس والسنام والجبل او كل شىء والجب العظيم والجرة العظيمة او عامة او من الفخار والكوز الصغير ضد. والتقييد بقلال هجر لم يثبت فى الحديث الصحيح المرفوع وما رواه ابن عدى من حديث ابن عمر رض إذا بلغ الماء قلتين من قلال هجر لم ينجسه شىء ففى اسناده مغيرة بن صقلان وهو منكر الحديث فلا بد ان يترك العمل بالحديث ما لم يتبين المراد منه كما هو الحكم فى المجمل ومن ثم قال الطحاوي هذا حديث
صحيح لكنا تركنا العمل به لعدم علمنا بالقلتين قلنا قد ترجح أحد معانيه وهى قلال هجر بوجوه فوجب العمل به لان رأس الجبل وكذا أعلى الرأس والسنام غير مراد بالإجماع لان وصول الماء الى رأس الجبلين فى الارتفاع لا يتصور الا فى البحر المحيط او عند الطوفان وأعلى الرأس والسنام ايضا غير مراد للاجماع علا ان الماء اقل من ذلك القدر يصير كثيرا فوجب الانصراف الى الأواني وبعد الانصراف الى آلاء انى ترجح قلال هجر بوجوه أحدها كثرة استعمال العرب لفظ القلة بهذا المعنى فى أشعارهم كذا قال ابو عبيدة فى كتاب الطهور قال البيهقي قلال هجر كانت مشهورة عندهم ولهذا شبّه رسول الله ﷺ ما راى ليلة المعراج من سدرة المنتهى فاذا ورقها مثل أذان الفيلة وإذا نبقها مثل قلال هجر. ثانيها ان قلال هجر أكبرها كذا قال الأزهري فجعل الشارع الحد مقدرا بالعدد يدل على ان المراد بها أكبرها لانه لا فائدة فى تقديرها لقلتين صغيرتين مع القدرة على تقديره بواحدة كبيرة. ثالثها ان الكبيرة ان كانت مرادة فذاك وان كانت الصغيرة مرادة فعدم تنجس الماء عند البلوغ قدر القلتين الكبيرتين اولى للقطع لوجود الصغيرة فى الكبيرة فحملنا القلتين على الكبيرتين احتياطا وبه يحصل التقن والله اعلم فان قيل قد ضعّف حديث القلتين الحافظ ابن عبد البر والعاصي إسماعيل بن اسحق وابو بكر بن الولي المالكيون قال ابن عبد البر ما ذهب اليه الشافعي مذهب ضعيف من جهة النظر غير ثابت من جهة الأثر لانه حديث تكلم فيه جماعة من اهل العلم ولان القلتين لم يوقف على مبلغهما فى اثر ثابت والا اجماع قلنا أقوالهم اجمالات للاسولة المتقدمة ولم يقل أحد بتضعيف واحد من رواته فانهم

صفحة رقم 35

رجال الصحيحين فاذا ظهر لك اجوبة الأسئلة اندفع ما قالوا والله اعلم.
(مسئلة) :- لا يجوز الوضوء والغسل بغير الماء من المائعات الطاهرة اجماعا لقوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمّموا صعيدا طيّبا وهل يجوز التطهير من النجاسة الحقيقية بغير الماء من المائعات الطاهرة أم لافعال الجمهور لا يجوز وقال ابو حنيفة يجوز احتج البغوي للجمهور بهذه الاية وقال الطهور فى الاية بمعنى المطهر لما قال فى اية اخرى وينزّل عليكم من السّماء ماء ليطهّركم فثبت ان التطهير مختص بالماء ولو جاز ازالة النجاسة بها لجاز ازالة الحدث بها. وهذا الاستدلال غير صحيح لان كون الماء مطهرا لا يدل على حصر التطهير فيه كما ان كونه طاهرا لا يدل على حصر الطهارة فيه والفرق لابى حنيفة فى الأحداث والأنجاس ان الحدث نجاسة حكمية غير مرئية لا يدركه وجوده ولا زواله الا من الشرع وزواله باستعمال الماء ثابت بالنص والإجماع واما باستعمال غير الماء فلم يثبت بنص ولا اجماع ولا يجوز إثباته بالقياس لان الأصل معدول عن سنن القياس- والنجاسة الحقيقية امر مرئى وإزالته بالماء معقول لكونه طاهرا مزيلا فيقاس عليه سائر المائعات لاجل هذا المعنى قلت لكن يرد عليه ان الماء إذا صب على النجس تنجس باول الملاقات فحصول الطهارة بالغسل ثلاثا او سبعا امر تعبدى وبالعصر لا يخرج الماء يجمع اجزائه فكان القياس ان لا يتطهر الثوب ونحوه بالغسل ومن ثم كان فى شرائع من قبلنا قطع موضع النجاسة من الثوب ولما كان حصول الطهارة بالغسل ثابتا بالشرع على خلاف القياس فلا يجوز قياس المائعات على الماء.
(مسئله) الماء كما يتنجس بورود النجاسة عليه يتنجس بوروده على النجاسة عندنا لان المنجس انما هو اختلاط النجاسة بالماء ولا فرق فى الوجهين. وذكر ابن الجوزي مذهب احمد ان غسالة النجاسة إذا انفصلت غير متغيرة بعد طهارة المحل فهى طاهرة وكذلك البول على الأرض ونحوه إذا كوثر بالماء ولم يتغير الماء يحكم بطهارة الماء والمكان قال وهو قول مالك والشافعي واحتج على ذلك بحديث انس رض بن مالك قال كان رسول الله ﷺ قاعدا فى المسجد إذ جاء أعرابي قبال فى المسجد فقال رسول الله ﷺ لرجل من القوم قم فأتنا بدلو من الماء فشنه عليه. رواه احمد والبخاري ومسلم فى الصحيحين وروى البخاري عن ابى هريرة نحوه قلنا هذا الحديث مخالف للقياس الصحيح فهو محمول على انه ﷺ امر بصب الماء بعد نقل التراب من ذلك المكان ورواية بعض الحديث شائع من الصحابة والتابعين وغيرهم وقد روى ذلك بوجوه منها ما روى الدار قطنى من طريق عبد الجبار عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد

صفحة رقم 36

عن انس ان أعرابيا بال فى المسجد فقال النبي ﷺ احفر وإمكانه ثم صبرا عليه ذنوبا من ماء- قال الحافظ رجاله ثقات فان قيل قال الدار قطنى وهم عبد الجبار على ابن عيينة لان اصحاب ابن عيينة الحفاظ رووه عنه عن يحيى بن سعيد ولم يذكروا الحفر قلنا عبد الجبار ثقة والزيادة من الثقة مقبولة ومنها ما رواه الدار قطنى عن ابن مسعود نحوه وسنده ضعيف لكن أحد من رواته لم يتهم بالكذب. ومنها ما رواه الدار قطنى وابو داود عن عبد الله بن مغفل بن مقرن المزني قال الدار قطنى عبد الله بن مغفل تابعي ورواته ثقات غير ان من رواته جرير بن حازم قال الذهبي ثقة امام تغير قبل موته فحجبه ابنه وهب فما حدث حتى مات قال ابن معين هو فى قتادة ضعيف قلت وهذا الحديث ليس من قتادة بل هو عن عبد الملك بن عمير وعبد الملك ثقة مخرج فى الصحيحين فان قيل قال احمد هذا حديث منكر قلت هذا جرح اجمالى وهو غير مقبول وانما قال ذلك احمد لعدم وقوع الحفر فى الرواية المشهورة وذا ليس بجرح لان الزيادة من الثقة مقبولة- ومنها ما اخرج الطحاوي من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس وكذا روى سعيد بن منصور عن ابن عيينة ان النبي ﷺ قال احفروا مكانه. وهذا ايضا مرسل والمرسل عند ابى حنيفه رح أقوى من المرسل وعند مالك رح واحمد رح دونه لكنه حجة مطلقا وعند الشافعي لا يقبل المرسل الا بأحد امور خمسة ان يسند غيره او يرسله غيره وعلم ان شيوخهما مختلفة او يعضده قول صحابى او قول اكثر اهل العلم أو يعلم من حاله انه لا يرسل الا برواية عن عدل وهاهنا مرسل طاءوس صحيح أيده مرسل عبد الله بن مغفل وهو حسن ومسند انس رض صحيح او حسن ومسند ابن مسعود ضعيف. فان قيل رواية انس التي فى الصحيحين أقوى وأرجح من تلك الروايات قلنا اولا ان حديث الصحيحين صحيح من حيث السند ضعيف من حيث المعنى لتعارضه بالأحاديث التي تكاد ان تكون مقواترة الدلالة على نجاسة الماء باختلاط النجاسة وثانيا ان الترجيح انما يعتير عند التعارض ولا تعارض هاهنا بل ما ذكرنا من الأحاديث ناطق. بحفر التراب وحديث انس ساكت عنه فلا يترك العمل بشئ منها.
(مسئلة) :- الماء المستعمل فى ازالة الحديث او اقامة القرية طاهر عند الجمهور وروى الحسن عن ابى حنيفة انه نجس نجاسة غليظة وروى ابو يوسف عنه انه نجس نجاسة خفيفة لمكان الاختلاف وروى محمد عن ابى حنيفة مثل قول الجمهور وبه قال محمد- احتج الحنيفية على نجاسة الماء بالنص والقياس اما النص فما رواه مسلم من حديث ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله

صفحة رقم 37

عليه وسلم لا يغتسل أحدكم فى الماء الدائم وهو جنب- وروى ابو داود بلفظ لا يبولن.
أحدكم فى الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة- والنهى للتحريم يدل على تنجس الماء قلنا لا بل النهى للتنزيه لاحتمال تلوث بدن المجنب من المنى غالبا فهو كالنهى. للمستيقظ عن إدخال يده فى الإناء لاحتمال كون اليد نجسا بالنجاسة الحقيقية كما يدل عليه قوله ﷺ فانه لا يدرى اين باتت يده واما القياس فقياسهم على ما يزيل النجاسة الحقيقية بجامع الاستعمال فى النجاسة. قلنا هذا قياس مع الفارق فان استعمال الماء فى ازالة النجاسة الحقيقية يوجب اختلاط الماء بأجزاء النجاسة وذلك سبب لتنجس الماء ولا اختلاط فى ازالة النجاسة الحكمية لان الحدث امر حكمى لا يتجزى زوالها فكل ماء استعمل فى عضو من الأعضاء لا يرقع به الحدث بل استعمال الماء فى جميع البدن للمجنب وفى الأعضاء الاربعة كلها للمحدث شرط لزوال الحدث يزول الحدث بعد ذلك فكل جزء من اجزاء ماء الوضوء طاهر فكذا جميعه لان انضمام ما ليس بنجس الى ما ليس بنجس لا يوجب التنجس اجماعا. واستدلوا على تنجس الماء باقامة القربة بقوله ﷺ من توضأ فاحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره متفق عليه عن عثمان وعن ابى هريرة نحوه رواه مسلم قالوا هذا الحديث يدل على ان الخطايا تخرج من بدنه مع الماء ولا شك ان الخطايا قاذورات فيتنجس الماء باختلاطها كما يتنجس باختلاط سائر القاذورات وهذا ليس بشئ فان الخطايا ليست بأجسام ولا اعراض تقوم بالماء وليست مثل النجاسة الحقيقية من كل وجه وليس خروجها من البدن كخروج النجاسة الحقيقية حتى يلزم به تنجس الماء بل هو عبارة عن العفو والمغفرة ولو كانت الخطايا قاذورات لما جازت صلوة العصاة من المؤمنين وهى جائزة اجماعا بل هى مكفرة الخطايا قال الله تعالى ان الحسنات يذهبن السّيّئات وقال رسول الله ﷺ الصلوات الخمس والجمعة الى الجمعة ورمضان الى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنب الكبائر- رواه مسلم عن ابى هريرة وحديث ابن مسعود فى رجل أصاب من امراة قبلة فاخبر النبي صلى الله عليه واله وسلم فانزل الله وأقم الصّلوة طرفى النّهار الاية متفق عليه ولنا على طهارة الماء المستعمل أحاديث منها حديث جابر قال جاء رسول الله ﷺ يعودنى وانا مريض لا عقل فتوضا وصبّ وضوءه علىّ فعقلت وقلت يا رسول الله انما يرثنى كلالة فنزلت اية الفرائض متفق عليه ومنها حديث السائب بن يزيد قال ذهبت بي خالتى الى النّبى صلى الله عليه واله وسلم فقالت يا رسول الله

صفحة رقم 38

ان ابن أختي وجع فدعا بالبركة ثمّ توضا فشربت عن وضوئه فنظرت الى خاتم النبوة بين كتفيه مثل ذر الحجلة. متفق عليه ومنها حديث المسور بن مخرمة ذكر فى صلح الحديبية قال فو الله ما تتخم رسول الله ﷺ بنخامة إلا وقع فى كف رجل منهم فذلك بها وجهه وصدره وإذا توضا كادوا يقتتلون على وضوئه- رواه البخاري (مسئلة) :- ازالة النجاسة الحقيقية بالماء المستعمل فى ازالة الحدث او اقامة القربة جائز اتفاقا الا عند من يقول بكونه نجسا وهل يجوز به الغسل او الوضوء اختلفوا فيه فقال محمد الماء المستعمل فى اقامة القربة لا يجوز به التوضي والغسل فهو طاهر غير مطهر وقال زفر والشافعي المستعمل فى ازالة الحدث طاهر غير مطهر وقال ابو حنيفة كل ماء استعمل فى ازالة الحدث او اقامة القربة لا يجوز به التوضي والاغتسال فهو طاهر غير مطهر- استدلوا على كونه غير مطهر بالنص والقياس أمّا النص فقوله ﷺ لا يغتسل أحدكم فى الماء الراكد قالوا هذا نهى مقتضاه أحد الامرين اما نجاسة الماء بالاستعمال واما سلب طهوريته لكن الاول لا يتصور فتعين الثاني قلنا ليس الأمر كذلك بل النهى للتنزيه يقتضى احتمال النجاسة بالنجاسة الحقيقية واحتمال النجاسة لا يوجب التنجس فان الطهارة اليقينية لا يزول بالشك وايضا كون الماء مطهرا وصف لازم للماء المطلق واما القياس فالقياس على مال الزكوة بجامع اقامة القربة وإسقاط الفرض تقريره ان من المعلوم ان إسقاط الفرض واقامة القرية يوجب فى الآلة تدنسا لا يصل الى التنجس كما فى مال الزكوة حيث حرّم على الهاشمي ولم يتنجس فكذا يوجب الاستعمال للقربة او إسقاط الفرض تدنسا يسلب عنه وصف التطهير ولا يصل الى التنجس. والجواب انا لا
نسلم ان اقامة القربة او إسقاط الفرض موجب للتدنس مطلقا وحرمة مال الزكوة على الهاشمي امر تعبدى الا ترى ان الجسد والثوب يتادى بهما الصلاة ويسقط الفرض ويقام القربة ولا يتدنس منها شىء وكذا الاضحية يسقط بها الواجب ولا يتدنس لحمها حيث أكلها رسول الله ﷺ وايضا كون الماء مطهرا وصف لازم للماء المطلق الطاهر لقوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمّموا علّق التيمم يفقد الماء المطلق ولا شك ان الماء المستعمل ماء مطلق فلا يجوز التيمّم مع وجوده فيجب به الوضوء لا محالة- فان قيل هو ليس بماء مطلق لان الماء المطلق ما لم يقم به خبث ولا معنى يمنع جواز التوضي به للصلوة فخرج الماء المقيد والماء المتنجس

صفحة رقم 39

والماء المستعمل قلنا اولا انا لا نسلم ان الماء المستعمل قام به معنى يمنع جواز التوضي به فهو مصادرة على المطلوب وثانيا ان الماء المطلق ما يطلق عليه اللغوي لفظ الماء بلا تقييد ولا شك ان اللغوي لا يفرق عند اطلاق لفظ الماء بين الماء الطاهر والمتنجس الذي لم يتغير أحد أوصافه والمستعمل فى قربة والمستعمل فى تبرد ومن ثم قال الزهري إذا ولغ الكلب فى اناء أحدكم وليس له وضوء غيره يتوضا به وقال سفيان هذا الفقه بعينه يقول الله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمّموا وهذا ماء ذكره البخاري تعليقا. لكنّا نقول لمّا منع الشارع عن استعمال النجاسات وأمرنا بالاجتناب عنها حيث قال وثيابك فطهّر والرّجز فالهجر وقال فى اية الوضوء ولكن يريد ليطهّركم وقال عليه السلام إذا ولغ الكلب فى اناء أحدكم فلبرقه ثم ليغسله سبع مرات. رواه مسلم عن ابى هريرة وقال عليه السلام من ابتلى منكم بشئ من هذه القاذورات فليستتر بستر الله وقال الله تعالى يحلّ لكم الطيّبات ويحرّم عليكم الخبائث فمن كان قادرا على الماء المتنجس فهو غير واجد للماء حكما لكونه ممنوعا عن استعماله شرعا كالقاعد على شفير البئر من غير دلو ونحوه ممنوع عن استعمال الماء طبعا فان الطبع يمنعه عن السقوط فى البئر وكذا المريض الواجد للماء منوع عن استعماله طبعا وشرعا فان الممنوع شرعا كالممنوع طبعا واما الماء المستعمل فليس بواجب الاجتناب عنه شرعا لكونه طاهرا فواجده واجد للماء حقيقة وحكما فلا يجوز له التيمم ويجب عليه الوضوء فثبت ان كون الماء مطهرا لازم لكونه طاهرا.
(مسئلة) :- إذا وقع فى الماء شىء طاهر فان لم يتغير به أحد أوصافه ولم يزد على الماء اجزاء جازيه الوضوء اجماعا- وان تغير به أحد أوصافه او اكثر فان كان الاحتراز عنه متعذرا كالطين والأوراق فى الخريف جاز به الوضوء اجماعا ما لم يخرجه عن طبع الماء اى رقته كما إذا تغير الماء بطول المكث وان لم يكن الاحتراز عنه متعذرا كالخل والزعفران والأشنان فان تغير به أحد أوصاف الماء لا يجوز به الوضوء عند الشافعي لانه ماء مقيد والوظيفة عند فقد الماء المطلق التيمم وعند ابى حنيفة رحمه الله يجوز به الوضوء الا إذا اختلط الماء جامد أزال رقته او غيّر اكثر أوصافه من الطعم او اللون او الريح كالانبذة او مائع غلب عليه بالاجزاء او غيّر اكثر أوصافه او طبخ فى الماء غيره فغيّره كالمرق وماء الباقلا الا ما يقصد به النظافة كالاوس والسدر والأشنان ولا بأس لو تغير الماء باختلاط الطاهر تغييرا

صفحة رقم 40

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري

تحقيق

غلام نبي تونسي

الناشر مكتبة الرشدية - الباكستان
سنة النشر 1412
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية