وهو الذي أرسل الرياحَ ، وعن المكي بالإفراد، نشراً : جمع نشور، أي : أرسلها للسحاب حتى تسوقها إلى حيث أراد تعالى أن تمطر، بين يدي رحمته أي : أرسلها قدام المطر، لأنه ريح، ثم سحاب، ثم مطر. وقرأ عاصم بالباء، أي : مبشرات بالمطر. وأنزلنا من السماء ماءً طَهُوراً أي : مطهراً بالغاً في التطهير، كقوله : لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ
[ الأنفال : ١١ ] وهو اسم لما يتطهر به، كالوضوء والوقود، لِمَا يتوضأ به ويوقد به. وقيل : طهور في نفسه، مبالغة في الطاهرية، فالطهور في العربية يكون صفة، كما تقول : ماء طهور، واسماً، كما في قوله صلى الله عليه وسلم :" التراب طهور، والمؤمن طهور "، وقد يكون مَصْدَراً بمعنى الطهارة، كقولك : تطهرت طهوراً حسناً، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :" لا صلاة إلا بطهور١ " ووصْفُهُ تعالى الماءَ بذلك ؛ ليكون أبلغ في النعمة، فإن الماء الطهور أنفع وأهنأ مما خالطه ما يزيل طهوريته، أي : أنزلناه كذلك.
ولو شاء لجعله ساكناً، فيقع به الحجاب، فيحجب العبد بسحب الآثار عن شهود الأنوار. ثم جعلنا شمس العرفان عليه أي : على الأثر، دليلاً، فيستدل بالله على غيره، فلا يرى غيره، ثم قبضناه، أي : ذلك الظل، عن قلب السائر أو العارف، قبضاً يسيراً، فيغيب عنه شيئاً فشيئاً، حتى يفنى عن حسه وحس غيره من الكائنات، فلا يشهد إلا المكوِّن ؛ لأن ذلك إنما يكون بالتدرج والتدريب، فإذا تحقق فناؤه رجع إلى شهود الأثر بالله ؛ قياماً برسم الحكمة، وأداءاً لحق العبودية.
وهو الذي جعل ليل القبض لباساً، أي : ستراً ورداء من الهفوات ؛ لأن القبض يغلب فيه السكون، وجانبه مأمون، والنوم - أي : الزوال - سُباتاً، أي : راحة من كد التدبير والاختيار، وجعل نهار البسط نشوراً، تنتشر فيه العلوم وتنبسط فيه المعارف، إن قام صاحبه بآدابه، ولا يقوم به إلا القليل ؛ لأنه مزلة أقدام، ولذلك قال في الحكم :" ربما أفادك في ليل القبض ما لم تستفده في إشراق نهار البسط، لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ".
وهو الذي أرسل رياح الواردات الإلهية نُشْراً بين يدي رحمته، أي : معرفته ؛ إذ لا رحمة أعظم منها، وأنزلنا من سماء الغيوب ماءاً طهوراً، وهو العلم بالله، الذي تحيا به الأرواح والأسرار، وتطهر به قلوب الأحرار، لنحيي به بلدة ميتاً، أي : روحاً ميتة بالجهل والغفلة، ونُسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسي كثيراً ؛ لأن ماء المعاني سارٍ في كل الأواني ؛ فماء التوحيد سار في الأشياء كلها، جَهلَ هذا مَنْ جهله، وعرفه من عرفه. وأكثر الناس جاحدون لهذا. ولذلك قال تعالى : ولقد صرفناه بينهم ؛ فكل شيء فيه سر من حياة هذا الماء، فأبى أكثر الناس إلا كفوراً وجحوداً له، ولم ينتفع به إلا خواص أوليائه. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي