الآية الحادية عشرة :
" ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض، ويعلم ما تخفون وما تعلنون ".
الألفاظ والتراكيب :
( ألا يسجدوا ) : عدم سجودهم، فإن مصدرية، ولا نافية، وهو بدل بعض من أعمالهم خصص بالذكر، لأنه أصل كفرهم، ومبعث فساد أعمالهم.
( الخبء ) : الشيء المخبوء، فعل بمعنى مفعول، يقال : خبأت الشيء أخبؤه، بمعنى سترته عن العيون.
فالخبء يشمل كل ما احتوته السموات والأرض مما يبرزه الله للخلق لمنفعتهم فتشاهده العيون مثل المطر والنبات، أو تدركه العقول، مثل بدائع الخلق، ودقائق الصنع.
ومنه ما يكشفه الله لعلماء الأكوان من أسرار الخلقة عندما يستعملون عقولهم ووسائلهم العلمية، فيأتون بما فيه نفع للعباد ورقي للعمران.
( ما يخفون ) : ما يكتمون في أنفسهم أو عن غيرهم. ( ويعلنون ) : يظهرون للناس.
المعنى :
زين لهم الشيطان من أعمالهم على الخصوص عدم سجودهم لله، الذي أقام عليهم الحجة، بما يخرجه لهذ من الخيرات المختبئات في السموات والأرض :
من أمطار السماء، ونبات الأرض، ما يدل على عظيم قدرته، ولطف عمله الذي أحاط بما ببواطن الأشياء وظواهرها، وبما تنطوي عليه السرائر، أو تواريه الستائر، وبما هو ظاهر للعموم.
استدلال وتوجيه :
السجود مظهر لغاية الذل والخضوع والانقياد والاستسلام، وتلك أصل العبادة. ولا يستحقها من العبد غلا من هو – حقيقة – المنعم الغني الكامل القوي، وما هو إلا خالقه ؛ فاستدل على استحقاق الله السجود دون غيره، بما ذكر من إخراجه الخبء، ويشمل علمه لما خفي وما علن.
حكم وانبناؤه :
انبنى على أن السجود عبادة، ولا يستحقها إلا الخالق تحريم السجود لمخلوق، فلا يجوز أن يعظم به أحد أحدا، ولو لم يقصد به العبادة.
أما إذا قصد به العبادة فهو الكفر البواح.
تحذير :
كثيرا ما رأينا في الرسوم التي تنشرها الصحف أناسا من المسلمين راكعين أو مقاريين للسجود لذي سلطان.
فعلى المسلم أن يحذر من ذلك فلا يفعله، ولا ينحني لأحد من الخلق، وأن ينكره إذا رآه١.
تشوييق القرآن إلى علوم الأكوان :
دعوة للعلم :
من أساليب الهداية القرآنية إلى العلوم الكونية، أن يعرض علينا القرآن صورا من العالم العلوي والسفلي، في بيان بديع جذاب، يشوقنا إلى التأمل فيها، والتعمق في أسرارها.
وهنا يذكر لنا ما خبأه في السموات والأرض لنشتاق إليه، وننبعث في البحث عنه، واستجلاء حقائقه، ومنافعه ؛ بدافع غريزة حب الاستطلاع، ومعرفة المجهول.
وبمثل هذا انبعث أسلافنا في خدمة العلم، واستثمار ما في الكون، إلى أقصى ما استطاعوا، ومهدوا بذلك السبيل لمن جاء بعدهم.
ولن نعز عزهم إلا إذا فهمنا الدين فهمهم وخدمنا العلم خدمتهم.
ترتيب في الاستدلال :
إخراج الخبء لا يكون إلا من العالم بذلك الخبء، الذي أحاط علمه به في حال ستره، وفي حال ظهوره، فيدل ذلك على شمول علمه لما ظهر وما بطن، ومنه ما يخفون وما يعلنون، ولذلك عطفه عليه ؛ لترتبه عليه، ترتب المدلول على دليله.
.
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي