*ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي عُبيدة الباجي، عن الحسن، قوله: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) يعني: من كل أمر الدنيا.
وقوله (وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ) يقول: ولها كرسي عظيم. وعني بالعظيم في هذا الموضع: العظيم في قدره، وعظم خطره، لا عظمه في الكبر والسعة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: (وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ) قال: سرير كريم، قال: حَسن الصنعة، وعرشها: سرير من ذهب قوائمه من جوهر ولؤلؤ.
قال: ثني حجاج، عن أبي عبيدة الباجي، عن الحسن قوله: (وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ) يعني سرير عظيم.
وقوله: (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) يقول: وجدت هذه المرأة ملكة سبأ، وقومها من سبأ، يسجدون للشمس فيعبدونها من دون الله. وقوله: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) يقول: وحسَّن لهم إبليس عبادتهم الشمس، وسجودهم لها من دون الله، وحبَّب ذلك إليهم (فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ) يقول: فمنعهم بتزيينه ذلك لهم أن يتبعوا الطريق المستقيم، وهو دين الله الذي بعث به أنبياءه، ومعناه: فصدّهم عن سبيل الحقّ (فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ) يقول: فهم لما قد زين لهم الشيطان ما زين من السجود للشمس من دون الله والكفر به لا يهتدون لسبيل الحقّ ولا يسلكونه، ولكنهم في ضلالهم الذي هم فيه يتردّدون.
القول في تأويل قوله تعالى: أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)
اختلف القرّاء في قراءة قوله (أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ) فقرأ بعض المكيين وبعض المدنيين والكوفيين "ألا" بالتخفيف، بمعنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فأضمروا "هؤلاء"اكتفاء
بدلالة "يا"عليها. وذكر بعضهم سماعا من العرب: ألا يا ارحمنا، ألا يا تصدّق علينا; واستشهد أيضا ببيت الأخطل:
| ألا يا اسْلَمي يا هِنْدَ هنْدَ بَنِي بَدرٍ | وَإنْ كان حَيَّانا عِدًا آخِرَ الدَّهْر (١) |
والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار قد قرأ بكلّ واحدة منهما علماء من القراء مع صحة معنييهما.
واختلف أهل العربية في وجه دخول "يا" في قراءة من قرأه على وجه الأمر، فقال بعض نحوييِّ البصرة: من قرأ ذلك كذلك، فكأنه جعله أمرا، كأنه قال لهم: اسجدوا، وزاد "يا" بينهما التي تكون للتنبيه، ثم أذهب ألف الوصل التي في اسجدوا، وأذهبت الألف التي في "يا"؛ لأنها ساكنة لقيت السين، فصار ألا يسجدوا. وقال بعض نحويي الكوفة: هذه "يا"التي تدخل للنداء يكتفى بها من الاسم، ويكتفى بالاسم منها، فتقول: يا أقبل، وزيد أقبل، وما سقط من السواكن فعلى هذا.
ويعني بقوله: (يُخْرِجُ الْخَبْءَ) يخرج المخبوء في السموات والأرض من غيث في السماء، ونبات في الأرض ونحو ذلك.
وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وإن اختلفت عبارتهم عنه.
*ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن المبارك، عن ابن جُرَيج، قراءة عن مجاهد: (يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ) قال: الغيث.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (يُخْرِجُ الْخَبْءَ) قال: الغيث.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) قال: خبء السماء والأرض ما جعل الله فيها من الأرزاق، والمطر من السماء، والنبات من الأرض، كانتا رتقا لا تمطر هذه، ولا تنبت هذه، ففتق السماء، وأنزل منها المطر، وأخرج النبات.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن حكيم بن جابر، في قوله: (أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) ويعلم كل خفية في السموات والأرض.
حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا أسامة بن زيد، عن معاذ بن عبد الله، قال: رأيت ابن عباس على بغلة يسأل تبعا ابن امرأة كعب: هل سألت كعبا عن البذر تنبت الأرضُ العامَ لم يصب العام الآخر؟ قال: سمعت كعبا يقول: البذر ينزل من السماء ويخرج من الأرض، قال: صدقت.
قال أبو جعفر: إنما هو تبيع، ولكن هكذا قال محمد: وقيل: يخرج الخبء في السموات والأرض، لأن العرب تضع "من" مكان "في" و "في" مكان "من" في الاستخراج (وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) يقول: ويعلم السرّ من أمور خلقه، هؤلاء الذين زين لهم الشيطان أعمالهم والعلانية منها، وذلك على قراءة من قرأ ألا بالتشديد. وأما على قراءة من قرأ بالتخفيف فإن معناه: ويعلم ما يسره خلقه الذين أمرهم بالسجود بقوله: "ألا يا هؤلاء اسجدوا". وقد ذكر أن ذلك في قراءة أُبيّ: "ألا تَسْجُدُوا لِلهِ الَّذِي يَعْلَمُ سرَّكُمْ وما تُعْلِنُون".
وقوله: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ) يقول تعالى ذكره: الله الذي لا تصلح العبادة إلا له، لا إله إلا هو، لا معبود سواه تصلح له العبادة، فأخلصوا له
جامع البيان في تأويل آي القرآن
أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري
أحمد شاكر