وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور إِذْ نَادَيْنَا أي وما كنت يا محمد بجانب الجبل المسمى بالطور إذ نادينا موسى لما أتى إلى الميقات مع السبعين. وقيل : المنادى هو أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قال وهب : وذلك أن موسى لما ذكر الله له فضل محمد وأمته قال : يا رب أرنيهم، فقال الله : إنك لن تدركهم، وإن شئت ناديتهم فأسمعتك صوتهم، قال : بلى يا ربّ، فقال الله : يا أمة محمد، فأجابوا من أصلاب آبائهم، فيكون معنى الآية على هذا : ما كنت يا محمد بجانب الطور إذ كلمنا موسى، فنادينا أمتك، وسيأتي ما يدلّ على هذا ويقوّيه ويرجحه في آخر البحث إن شاء الله ولكن رَّحْمَةً مّن رَّبِكَ أي ولكن فعلنا ذلك رحمة منا بكم، وقيل : ولكن أرسلنا بالقرآن رحمة لكم، وقيل : علمناك. وقيل : عرفناك. قال الأخفش : هو منصوب يعني : رحمة، على المصدر، أي ولكن رحمناك رحمة. وقال الزجاج : هو مفعول من أجله، أي فعلنا ذلك بك لأجل الرحمة. قال النحاس : أي لم تشهد قصص الأنبياء ولا تليت عليك، ولكن بعثناك وأوحيناها إليك للرحمة. وقال الكسائي : هو خبر لكان مقدّرة، أي ولكن كان ذلك رحمة، وقرأ عيسى بن عمر، وأبو حيوة : رحمة بالرفع على تقدير : ولكن أنت رحمة. وقال الكسائي : الرفع على أنها اسم كان المقدّرة، وهو بعيد إلاّ على تقدير أنها تامة، واللام في لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أتاهم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ متعلق بالفعل المقدّر على الاختلاف في تقديره. والقوم : هم أهل مكة، فإنه لم يأتهم نذير ينذرهم قبله صلى الله عليه وسلم، وجملة ما أتاهم إلخ، صفة ل قوماً ، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أي يتعظون بإنذارك.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس الذين ءاتيناهم الكتاب مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ قال : يعني من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ثلاثة يؤتون أجرهم مرّتين : رجل من أهل الكتاب آمن بالكتاب الأوّل والآخر، ورجل كانت له أمة، فأدّبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوّجها، وعبد مملوك أحسن عبادة ربه، ونصح لسيده». وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث المسيب ومسلم وغيره من حديث أبي هريرة أن قوله إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ نزلت في أبي طالب لما امتنع من الإسلام. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أن ناساً من قريش قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم : إن نتبعك يتخطفنا الناس، فنزلت : وَقَالُواْ إِن نَّتَّبِعِ الهدى مَعَكَ الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَىْء قال : ثمرات الأرض.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني