ﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶ

قال البغوي : قال عكرمة : إن مالك بن الضيف ووهب بن يهودا من اليهوديين قالا لابن مسعود ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة : نحن أفضل منكم وديننا خير مما تدعونا إليه فأنزل الله تعالى كنتم خير أمة إضافة صفة إلى موصوفة مثل أخلاق ثياب والمفضل منه محذوف يعني كنتم أمة خير الأمم كلها، وكانت تدل على ثبوت خبرها لاسمها في الماضي ولا تدل على عدم سابق ولا انقطاع لاحق إلا بقرينة خارجية قال الله تعالى : وكان الله غفورا رحيما (١) فهذه الجملة دلت على خيريتهم فيما مضى ويدل على خيريتهم في الحال والاستقبال قوله تعالى : تأمرون الخ ويحتمل أن يكون كنتم في علم الله أو في الذكر في الأمم السابقة خير أمة أخرجت يعني أظهرت وأوجدت والخطاب إما للصحابة خاصة كذا قال جويبر عن الضحاك، وروي عن عمر بن الخطاب قال كنتم خير أمة يكون لأولنا ولا يكون لآخرنا، وعن ابن عباس أنهم هم الذين هاجروا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وعن عمر أنه قال لو شاء الله لقال أنتم ولكن قال كنتم في خاصة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ومن صنع مثل صنيعهم كنتم خير أمة أخرجت للناس وأما لأمة محمد صلى الله عليه وسلم عامة وكلا المعنيين ثابت بالنصوص وعلى منهما انعقد الإجماع فإن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من الأمم كلها والأفضل منهم قرن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين قال الله تعالى : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ١٠٥ (٢) وقال : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا (٣) الآية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الجنة حرمت على الأنبياء حتى أدخلها وحرمت على الأمم حتى يدخلها أمتي " رواه الطبراني في الأوسط بسند حسن عن عمر بن الخطاب، وروي أيضا عن ابن عباس مرفوعا " الجنة محرمة على جميع الأمم حتى أدخلها أنا وأمتي الأول فالأول " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إني لأرجو أن يكون من تبعني ربع أهل الجنة، ثم قال : أرجوا أن يكون ثلث أهل الجنة، ثم قال أرجو أن يكون الشطر " رواه أحمد والبزار والطبراني بسند صحيح عن جابر، وقال صلى الله عليه وسلم :" أهل الجنة عشرون ومائة صفا ثمانون منها من هذه الأمة والباقون من سائر الأمم " (٤) رواه الترمذي وحسنه والحاكم وصححه، وروى الطبراني مثله من حديث أبي موسى وابن عباس ومعاوية بن جندة وابن مسعود، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل " (٥) رواه الترمذي وحسنه وابن ماجه والدرامي من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده والبغوي عن أبي سعيد الخدري نحوه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خير أم آخره " (٦) رواه الترمذي عن أنس ورزين عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده نحوه وقال عليه السلام :" إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (٧) رواه ابن ماجه والبيهقي. وفي الفضل الثاني قوله صلى الله عليه وسلم :" خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته " (٨) رواه الشيخان في الصحيحين والترمذي وأحمد من حديث ابن مسعود والطبراني نحوه ومسلم عن عائشة نحوه، والترمذي والحاكم عن عمران بن حصين نحوه، وقوله صلى الله عليه وسلم :" لا تلبسوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " (٩) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري، وقوله عليه الصلاة والسلام " ما من أحد من أصحابي يموت بأرض إلا بعث قائدا ونورا لهم يوم القيامة " (١٠) رواه الترمذي عن بريدة للناس قيل هذا متعلق بخير أمة، قال أبو هريرة معناه : خير الناس للناس يجيئون بهم في السلاسل فتدخلونهم في الإسلام أخرجه أبو عمرو، قلت : رجال هذه الأمة أكثر إرشادا وأقوى تأثيرا في الناس بالجذب إلى الله تعالى من رجال الأمم السابقة. وكان قطب إرشاد كمالات الولاية علي عليه السلام ما بلغ أحد من الأمم السابقة درجة الأولياء إلا بتوسط روحه رضي الله عنه، ثم كان بتلك المنصب الأئمة الكرام أبناؤه إلى الحسن العسكري وعبد القادر الجيلي ومن ثم قال : ووقتي قبل قلبي قد صفالي، وهو على ذلك المنصب إلى يوم القيامة، ومن ثم قال ( شعر ) :
أفلت شموس الأولين وشمسنا *** *** *** *** أبدا على أفق العلى لا تغرب
وقيل : للناس متعلق بأخرجت يعني أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر استئناف لبيان خيريتهم أو خبر ثان لكنتم أو صفة ثانية لأمة، والمراد تفضيلهم على أمم موصوفين بهذه الصفات يعني كنتم أمة كذلك خيرا من كل أمة كذلك وتؤمنون بالله قيل : المراد بالإيمان بالله الإيمان بكل ما يجب أن يؤمن به لأنه المعتد به، يدل عليه قوله تعالى : ولو آمن أهل الكتاب مع كونهم مؤمنين بالله وقوله عليه الصلاة والسلام في حديث طلحة بن عبيد الله :" أتدرون ما الإيمان بالله وحده ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن تعطوا من المغنم الخمس " (١١) متفق عليه، وإنما أخّر ذكر الإيمان وكان حق الإيمان بالله أن يقدم لقصد الإشعار على أنهم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر إيمانا بالله وتصديقا لا رياء فصار كأنه قيد للأمر بالمعروف أو لقصد ارتباط قوله : ولو آمن أهل الكتاب كلهم كما تؤمنون لكان خيرا لهم فإنهم يدخلون حينئذ في خير الأمم، قلت : وجا ز أن يكون المراد بالإيمان بالله الإيمان الحقيقي، يعني تخلية القلب عما سواه وتزكية النفس عن الرذائل وتمرينه بالمحبة الصرفة التي لا تشوب فيها اقتضاء نفسه من الأغراض الدنيوية أو الأخروية منهم أي من أهل الكتاب المؤمنون إيمانا يعتد به كعبد الله بن سلام وأصحابه وأكثرهم الفاسقون الخارجون عن الإيمان إلى الكفر، هذه الجملة مبينة لما سبق فإن المطلوب إيمان الجميع والموجود إيمان بعضهم دون أكثرهم وفيه دفع لسوء الظن بالمؤمنين منهم الذي لشاء من قوله تعالى : ولو آمن الخ.

١ سورة النساء، الآية: ٩٦..
٢ سورة الأنبياء، الآية: ١٠٥..
٣ سورة فاطر، الآية: ٣٢..
٤ أخرجه الترمذي في كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في كم صف أهل الجنة (٢٥٤٦).
وأخرجه ابن ماجه في كتاب: الزهد، باب: صفة أمة محمد صلى الله عليه وسلم (٤٢٨٩)..

٥ أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة آل عمران (٣٠٠١)..
٦ أخرجه الترمذي في كتاب: الأمثال (٢٨٦٩)..
٧ أخرجه ابن ماجه في كتاب: الطلاق، باب: طلاق المكره والناسي (٢٠٤٣) وفي الزوائد: إسناده ضعيف لاتفاقهم على ضعف أبي بكر الهذلي..
٨ أخرجه البخاري في كتاب: الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد (٢٦٥١) وأخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضل الصحابة ثم الذين يلونهم (٢٥٣٣)..
٩ أخرجه البخاري في كتاب: المناقب، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لو كنت متخذا خليلا" (٣٦٧٣) وأخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم (٢٥٤٠)..
١٠ أخرجه الترمذي في كتاب: المناقب، باب: في سب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (٣٨٧٤)..
١١ أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: أداء الخمس من الإيمان (٥٣) وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وشرائع الدين (١٧)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير