الآية ١١٠ وقوله تعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس يحتمل وجوها : يحتمل كنتم أي صرتم خر أمة أظهرت للناس بما تدعو الخلق إلى النجاة والخير، ويحتمل كنتم خر أمة في الكتب السالفة بأنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ويحتمل كنتم خير أمة إذ(١) أمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر، ويحتمل كنتم صرتم خير أمة وكانوا كذلك : هم خير أمة، وكانوا كذلك : هم خير ممن تقدمهم من الأمم بما بذلوا مهجهم لله في نصر دينه، وإظهار كلمته والإشفاق على رسوله حتى كان أحب إليهم من أنفسهم، ويرونه أولى، والله الموفق.
ثم اختلف في المعروف والمنكر : قيل : المعروف كل مستحسن في العقل فهو معروف، وكل مستقبح فيه فهو منكر، ويحتمل الأمر بالمعروف، هو الأمر بالإيمان، والنهي عن المنكر، وهو النهي عن الكفر، دليله قوله : وتؤمنون بالله الآية : يؤمنون هم، ويأمرون غيرهم بالإيمان، وينهون عن الكفر.
وعن ابن عباس رضي الله عنه في قوله : كنتم خير أمة أخرجت للناس [ أنه ](٢) قال :( خير الناس أنفعهم للناس، و تأمرون بالمعروف أي تأمرونهم أن يشهدوا ألا إله إلا الله، والإقرار بما أنزل الله، وتقاتلون عليه. ولا إله إلا الله هو أعظم المعروف، والمنكر هو التكذيب، فهو أنكر المنكر ).
وعن علي رضي الله عنه أنه قال :( قال النبي صلى الله عليه وسلم :( أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء ) قلنا : يا رسول الله وما هو ؟ قال :( نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت احمد، وجعل التراب لي طهورا، وجعلت أمتي خير الأمم ) ) [ أحمد : ١/٩٨ ].
قال الشيخ، رحمه الله :[ قوله ](٣) كنتم خير أمة أخرجت له وجهان : أي كنتم على ألسن الرسل في الكتب المتقدمة خير أمة، ويحتمل كنتم صرتم بإيمانكم برسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعكم ما معه خير أمة على وجه الأرض، [ لأن من قبلكم ](٤) آمنوا ببعض، وكفروا ببعض.
وقوله تعالى : تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر يتوجه إلى وجوه ثلاثة : المعروف، هو المعروف في العقول أي الذي تستحسنه العقول، والمنكر، هو الذي قبحته العقول، وأنكرته، ويحتمل أن يكون المعروف هو الذي عرف بالآيات والبراهين أنه حسن، والمنكر ما عرف بالحجج أنه(٥) قبيح، ويحتمل(٦) المعروف هو الذي جرى على ألسن الرسل أنه حسن، والمنكر هو الذي أنكروه، ونهوا عنه. فعلى هذه الوجوه يخرج تأويل الآية، والله أعلم.
وقوله تعالى : ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم لا شك أن الإيمان خير لهم من الكفر، ولكن معناه، والله أعلم، أنهم أبوا الإيمان، وتمسكوا بالكفر لوجهين :
أحدهما : أنهم كانوا أهل عزة وشرف في ما بينهم وأهل دراية الكتب ينتاب إليهم الناس، ويختلفون إليهم بحوائجهم، فخافوا ذهاب ذلك عنهم إذا آمنوا، فأخبر الله جل وعلا أنهم إن آمنوا كان(٧) خيرا لهم من الذكر والشرف والعز في أهل الإيمان أكثر مما لهم في أهل الكفر. ألا ترى أن من آمن منهم من درية الكتاب وعلمائهم كان لهم من الذكر والشرف في الإيمان ما لم يكن لأحد [ منهم مات ](٨) على الكفر، نحو عبد الله بن سلام و[ كعب ](٩) وغيره من الأحبار، وإنما كانوا من علمائهم، لم يكونوا من علماء أهل الإيمان، فنالوا بالإيمان من الذكر والعز والشرف ما لم ينل أحد منهم، مات على الكفر، بل جمل ذكرهم، وانتشر في أهلهم فضلا في أهل الإيمان والإسلام، والله أعلم.
والثاني : أنهم كانوا أبوا الإسلام واتباع محمد صلى الله عليه وسلم واختاروا المقام على الكفر خوفا وإشفاقا على ما لهم من المنافع والمنال، يذهب ذلكم عنهم بالإسلام، فأخبر الله جل وعلا أنهم لو آمنوا لكان خيرا لهم في الآخرة، إذ ذاك ينقطع، ويذهب عن قريب، والذي لأهل الإيمان في الآخرة باق دائم لا يزول أبدا، لما كان الذي ينال بالإيمان غيبا(١٠)، وكذلك ما يحل بالكفار من جزاء [ الكفر غيبا ](١١) اشتد عليهم الكفر والتدبر، فلا يمنعهم عن الشهوات، وينغص عليهم اللذات، فآثروا ما هوته أنفسهم، وتلذذوا به على التدبر مع ما كان إدراك الغائب بالشاهد [ أمرا عسيرا ](١٢) لا يوصل إليه إلا بفضل الله، ولم يكن عليه، ذلك لا يسقط معنى الإفضال والإنعام، ويصير حقا مع ما كان منهم بتقديم الجفاء وإيثار زجرة الدنيا وبهجة الغنى على الموعود، والله أعلم.
وقوله تعالى : منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون كذلك كانوا : كان المؤمنون أقل، والكفار أكثر، والله أعلم.
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: لأنهم..
٥ أدرج قبلها في الأصل وم: التي..
٦ أدرج قبلها في الأصل وم العبارة التالية: ويحتمل أن يكون المعروف هو الذي عرف بالحج أنه قبيح، والصواب حذفها..
٧ في الأصل وم: لكان..
٨ في الأصل وم: مات منهم..
٩ في الأصل وم: ومن أسلم منهم نحو كعب..
١٠ في الأصل وم: غيب..
١١ في الأصل: غيب، في م: الكفر عيب..
١٢ في الأصل وم: أمر عسير..
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم