في هذا الموضع؟
قيل: إنه لما بيّن تعالى ما اقتضى عدالته وعقبه
بذكر التبرؤ من ظلمهم بيّن بهذا القول استغناءه عن الظلم، وأن
الظلم يتحرّاه من يروم ما لغيره، ومحال أن يُعتقدَ في مالكِ الكلِّ
ومن منه البدءُ وإليه العودُ الظلمُ.
قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)
إن قيل: لمَ قالْ: (كُنْتُمْ) ولم يقل: أنتم؟
قيل: في ذلك أجوبة: الأول:
كنتم فيما قضيت وقدرت وبنيت عليه الشرائع خير أمة بشريطة
أن تأمروا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر، وتؤمنوا بالله)،
فقد تقدم إن هذه الشريعة أكمل الشرائع، ولهذا قال - ﷺ -:
"أنتم تتمون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله تعالى".
والثاني: أن الإِشارة بذلك إلى من آمن بالنبي - ﷺ - في ابتداء الإِسلام، وإلى هذا ذهب عمر، وقال: هذا لأولنا، ولو شاء الله لجعله لآخرنا أيضاً.
فقال: أنتم، فكنا كلنا أخيارا.
ويؤكّد ذلك ما روي
عن عبد الله قال: جمعنا رسول الله، ونحن أربعون رجلا، فقال:
"إنكم منصورون ومفتوح لكم، فمن أدرك ذلك منكم فليأمر
بالمعروف ولينه عن المنكر".
الثالث: أن ما تشارك فيه الأحوال الثلاث: الماضي والحال والمستقبل.
لا فرق بين أن تقول: كنت كذا أو أنت كذا، لأن القصد ليس إلى تخصيص الزمان، بل إلى ذكر ثبوت ذلك الشيء، وأيًّا من ذلك ذكرت، فإنه لا يقتضي من حيث اللفظ نفي الآخر، وإذا كان كذلك كان أولى الألفاظ بمثله: كان، لأنه يقتضي الحصول، ولا يقتضي تغيير ذلك الشيء من حيث
اللفظ، وإذا أورد تعالى جل أوصافه على ذلك، نحو (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)، وقيل: (كُنْتُمْ) في اللوح
المحفوظ، وهذا كالأول.
إن قيل: لأي شيء وصفهم بأنهم خير أمة.
وقد علم أن أشرار الناس في هذه الأمة أكثر من
الأخيار، وأن كثيراً من الأمم المتقدمة كانوا حْيراً من كثير هذه الأمة؟
قيل: ليس الاعتبار بأشخاص الناس، وإنما الاعتبار بما
صارت الأمة به أمة، والشريعة به شريعة، وقد تقدم أن هذه
الشريعة أفضل الشرائع إذا اعتبرت بها، على أنه قد قيد
فقال: (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ)، أي أنتم خير أمة على هذه
الشريطة لأن قوله: (تَأْمُرُونَ) في موضع الحال.
قال ابن عباس ومجاهد وأبو هريرة: كونهم خيرا هو أنه لم
يؤمر نبي قبله بالقتال، وقهر الناس على الدخول فيما فيه
صلاحهم إلا هذه الأمة، فإن الله يقودهم بالسلاسل من
الكفر إلى الإِيمان، وقال غيرهم: لم يكن في أمة من الآمرين
بالمعروف، والناهين عن المنكر أكثر مما في هذه الأمة.
إن قيل: لم أخَّر الإِيمان بالله عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار