إن يمسسكم قرح : يوم أحد، قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر قرح بضم القاف حيث جاء والباقون بالفتح، وهما لغتان معناهما عض السلاح ونحوه مما يجرح البدن كذا في القاموس، وقال الفراء : القرح بفتح الجراحة وبالضم ألم الجراحة فقد مس القوم أي قوم الكفار من قريش قرح مثله يوم بدر وهم لم يضعفوا عن معاودتكم للقتال فأنتم أولى بذلك، نزلت هذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين حين انصرفوا من أحد مع الكآبة والحزن وليجترؤا على عدوهم وتلك الأيام يعني أوقات النصر نداولها نصرفها بين الناس يعني كذلك جرت عادتنا فيكون النصر تارة لهؤلاء، وتارة لهؤلاء، والأيام صفة لتلك وهو مبتدأ خبره نداولها أو الأيام خبر ونداولها حال والعامل فيه معنى الإشارة. عن البراء بن عازب قال : جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرجالة وكانوا خمسين رجلا عبد الله بن جبير، فقال :" إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القول وأطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم " فهزمهم، قال : وأنا والله رأيت النساء يشتددن قد بدت خلاخلهن وأسوقهن رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد الله بن جبير الغنيمة أي قوم الغنيمة ظهر أصحابكم فما تنتظرون، فقال عبد الله بن جبير أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا : والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين فذاك قوله تعالى : والرسول يدعوكم في أخراكم إذ يدعوهم الرسول في أخراهم فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلا فأصابوا منا سبعين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر مائة وأربعين سبعين أسيرا وسبعين قتيلا فقال أبو سفيان : أفي القوم محمد ؟ ثلاث مرات، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه، ثم قال : أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ ثلاث مرات، ثم قال : أفي القوم ابن الخطاب ؟ ثلاث مرات، ثم رجع إلى أصحابه، فقال : أما هؤلاء قد قتلوا، فما ملك عمر رضي الله عنه نفسه فقال : كذبت والله يا عدو الله إن الذين عددت لأحياء كلهم وقد بقي لك ما يسوءك، فقال : يوم بيوم بدر والحرب سجال إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولا تسؤني ثم أخذ يرتجز : اعل هبل اعل هبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ألا تجيبوه ؟ قالوا : يا رسول الله ما نقول ؟ قال : قولوا الله أعلى وأجل، قال : إن لنا العزى ولا عزى لكم، فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تجيبوه ؟ قالوا : يا رسول الله ما نقول ؟ قال :" قولوا الله مولانا ولا مولى لكم " ١ رواه البخاري وغيره. وفي رواية فقال أبو سفيان : قد أنعمت هلم يا عمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر " ائته فانظر ما شأنه " فجاءه فقال أبو سفيان : أنشدك الله يا عمر أقتلنا يا محمد ؟ قال : اللهم لا إنه يسمع كلامك الآن قال : أنت عندي أصدق من ابن قمية وأبر وقد قال ابن قمية لهم : إني قتلت محمدا، ثم قال أبو سفيان : ألا إن موعدكم بدر الصغرى على رأس الحول، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قل نعم هو بيننا وبينكم موعد، وانصرف أبو سفيان إلى أصحابه وأخذ في الرحيل وروي هذا المعنى عن ابن عباس. وفي حديثه قال أبو سفيان : يوم بيوم وإن الأيام دول والحرب سجال، فقال عمر : لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، قال الزجاج : الدولة تكون للمسلمين على الكفار لقوله تعالى : وإن جندنا لهم الغالبون ١٧٣ ٢ وإنما كانت يوم أحد للكفار على المسلمين لمخالفتهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليعلم الله الذين آمنوا : عطف على علة محذوفة، وفائدة الحذف الإيذان بأن العلة المحذوفة متعددة يطول ذكرها، واللام متعلق بنداولها أي نداولها لحكم ومصالح لا يحصى وليعلم الله المؤمنين ممتازين عند الناس بالصبر والثبات على الإيمان من غيرهم، وجاز أن يقال المعطوف عليه غير محذوف بل هو المفهوم من قوله تعالى : وتلك الأيام نداولها كأنه قال داولنا بينكم الأيام لأن هذه عادتنا وليعلم والخلق والإفتاء من قبيل مداولة الأيام، والقصد في أمثاله ونقائضه ليس إلى إثبات عمله تعالى ونفيه بل إلى إثبات المعلوم في الخارج ونفيه على طريقة البرهان لأن علم الله تعالى لازم للمعلوم وبالعكس، ونفي المعلوم مستلزم لنفي العلم كيلا ينقلب العلم جهلا فأطلق الملزوم وأريد به اللازم، فمعنى الآية ليتحقق امتياز المؤمنين من غيرهم عند الناس، وقيل : معناه ليعلم الله علما يتعلق به الجزاء وهو العلم بالشيء موجودا، ويتخذ منكم شهداء : أي يكرم ناسا منك بالشهادة يريد شهداء أحد، أو المعنى وليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة بالثبات والصبر على الشدائد. أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال لما أبطأ على النساء الخبر خرجن يستخبرن فإذا رجلان مقبلان على بعير فقالت امرأة : ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالا : حي، قالت : فلا أبالي يتخذ الله من عبادة شهداء، فنزل القرآن على ما قالت ويتخذ منكم شهداء . والله لا يحب الظالمين : الكافرين المنافقين الذين لم يظهر منهم الثبات على الإيمان، جملة معترضة بين المعطوفين، وفيه تنبيه على أن الله لا ينصر الكافرين على الحقيقة وإنما يغلبهم أحيانا استدرجا لهم وابتلاء للمؤمنين.
٢ سورة الصافات، الآية: ١٧٣..
التفسير المظهري
المظهري