الإِيمان رفض الوهن والحزن وأنتم مؤمنون، فواجب أن لا تهنوا
ولا تحزنوا سيما والعلو لكم.
قوله تعالى: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠)
الفرق بين المسّ واللمس:
أن اللمس أخص، فإنه بالحاسة، والمس به وبغيره، وهو ههنا
عبارة عن الإِصابة والقرح أعم من الجرح، فإن الجرح إصابة
الجارحة في الأصل، والقرح يقال له ولما يحدث من ذاته، نحو
قَرِحَ البعير إذا خرجِ به قَرْحَة، وهي شِبه جرب.
والقرح مصدر ثم يسمى المقروح قرِحا.
والقُرْح الاسم، وقال بعض أهل اللغة: القَرْح: الجراحة.
والقُرْح: ألمها.
والدول والدور يتقاربان، لكن الدور أعم، فإن الدولة لا تقال إلا في الحظ الدنيوي،
وكذلك الجد، ولهذا قيل: "لا ينفع ذا الجدَ منك الجد"
أي الحظوظ الدنيوية غير نافعة في القيامة، ، نحو: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ)، وقوله: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ) قيل ليعرف، ولهذا تعدى إلى مفعول واحد.
وقيل: إن مفعوله الثاني محذوف ومتى قيل في الله: إنه علم كذا أو لم يعلمه، فليس القصد إلى إثبات علمه أو نفيه.
وإنما القصد إلى إثبات ذلك الشيء أو نفيه، وإذا استعمل في غيره
فإنه يقال على الوجهين، وأما الشهداء فقد قيل: هم المذكورون
في قوله (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ).
وقال الحسن وقتادة: عنى بها المقتولين في الحرب، وسُمُّوا بذلك لقوله: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) الآية،
لما جعلهم أحياء عند ربهم سُموا شهداء، وأصل ذلك أن غاية ما
يستحقه الإِنسان في الآخرة القرب من الله، وكونه عنده، ولما
وعد الله القتيل في سبيله بذلك سُمي شهيداً، ونبَّه تعالى بالآية أنه
غير إنصاف لمن ساوى العدو في المغالبة الدنيوية أن يحزن، فكيف
بمن كان غالباً، وبين بقوله: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا) أن
من حق العاقل أن لا يبالي بما يفوته مالاً كان أو جاهاً أو قهراً.
فإن الله جعل بِنْيَةَ الدنيا على أن تكون أعراضها دولاً بين أخيارهم
وأشرارهم، وليصبر الأخيار فيما يصيبهم من المحن، ويشكروا
ما ينيلهم من المنح، فيصلوا بذلك إلى ثوابه، وعلى ذلك
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ)
إن قيل: هل يصح أن تكون الدولة للكافرين على المؤمنين؟
قيل: يجوز ذلك إذا كانت الدولة من الحظوظ الدنيوية، التي قد يُعطى الكافر منها أكثر مما يُعطى المؤمنون، قال قتادة: ولولا الدولة ما أوذي المؤمنون،
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار