ﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯ

وفي هذه الآيات وما بعدها، يذكرهم بسنن الله و خليفته، وإنما من صار على نهجها أدى به ذلك على السعادة، ومن حاد عنها ضل، وكانت عاقبته الشقاء و البوار و أن الحق لابد أن ينظر على الباطل مهما كانت له أول الأمر من صولة كما وعد الله بذلك على السنة رسوله وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ( الصافات ١٧١-١٧٣ ) و قال وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ( الأنبياء ١٠٥. ).
والقرح بالضم : و الفتح عض السلاح ونحوه ما يجرح الجسم، وقيل هو بالفتح وبالضم الألم، والأيام واحدها يوم وهو الزمن المعروف، والمراد بالأيام هنا أزمنة الفوز والظفر، نداولها نصرفها فنديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء، كما وقع ذلك في يومي بدر واحد، وأصل المداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر، يقال تداولته الأيدي إذا انتقل من واحد على آخر، والشهداء واحدهم شهيد : و هو قتيل المعركة، وقيل واحدهم شاهد.
إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله : أي إن كان السلاح قد عضكم و عمل فيكم يوم أحد، فقد أصاب المشركين مثل ما أصابكم في ذلك اليوم فقد قتل منهم ما قتل منكم فلم يكونوا غالبين.
و الخلاصة : إنه لا يسوغ لكم التقاعد عن الجهاد و ليس لكم العذر فيه لأجل أن مسكم قرح، فإن أعداءكم قد مسهم مثله قبلكم و هم على باطلهم ولم يفتروا في الحرب ولم يهنوا، فأنتم أجدر بصدق العزيمة لمعرفتكم بحسن العاقبة و تمسككم بالحق.
و تلك الأيام نداولها بين الناس : أي إن مداولة الأيام سنة من سنن الله في المجتمع البشري، فمرة تكون الدولة للمبطل و أخرى للمحق و لكن العاقبة دائما لمن اتبع الحق.
و إنما تكون الدولة لمن عرف أسباب النجاح و رعاها حق رعايتها، كالاتفاق و عدم التنازع و الثبات و صحة النظر و قوة العزيمة و أخذ الأهبة و إعداد ما يستطاع من القوة.
فعليكم أن تقوموا بهذه الأعمال و تحكموها أتم الإحكام حتى تطفروا و تفوزوا و لا يكن ما أصابكم من الفشل مضعفا لعزائمكم، فإن الدنيا دول.
فيوما لنا و يوما علينا و يوما نساء و يوما نسر
و من أمثال العرب : الحرب سجال روي أن أبا سفيان صعد الجبل يوم أحد فمكث ساعة ثم قال أين أبي كبشة ؟ يعني محمدا صلى الله عليه وسلم و أبو كبشة زوج حليمة السعدية و هم أبوه من الرضاع –أين ابن أبي قحافة ؟ -أبو بكر-أين ابن الخطاب ؟ قال عمر : هذا رسول الله صلى الله عليه و سلم و هذا أبو بكر و هأنذا عمر فقال أبو سفيان يوم بيوم و الأيام دول و الحرب سجال فقال عمر رضي الله عنه : لا سواء قتلانا في الجنة و قتلاكم في النار فقال أنكم تزعمون ذلك فقد خبنا إذن و خسرنا.
و ليعلم الله الذين آمنوا : أي و تلك الأيام يداولها بين الناس ليقوم بذلك العدل و يستقر النظام و يعلم الناظر في السنن العامة، و الباحث في الحكم الإلهية أنه لا محاباة في هذه المداولة، و ليعلم الله الذين آمنوا منكم، لأن الجهاد الاجتماعي الذي يدال به قوم على قوم مما يظهر النفوس و يتميز به الإيمان الصحيح من غيره.
و المراد من قوله : و ليعلم الله أي و ليظهر علمه بذلك للناس بظهور ما يعلم لهم إذ علم الله بالأشياء ثابت في الأزل فإذا وقعت حصل تغير في ذلك المعلوم فصار حالا بعد أن كان مستقبلا فهم كقوله : لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ( الأنفال : ٣٧ ) أي ليعلم الناس ذلك و يميزوه.
الخلاصة : إن المراد من مثل هذه العبارة ( ليعلم ) – ليثبت و يتحقق صدق إيمان الذين آمنوا لأنه متى ثبت و تحقق كان الله عالما به على انه حقيقة ثابتة إذ علم الله لا يكون إلا مطابقا للواقع فما لا يعلمه الله تعالى لا يكون له حقيقة ثابتة
و يتخذ منكم شهداء : أي و ليكرم ناسا منكم بالشهادة و القتل في سبيل الله ذاك أن قوما من المسلمين فاتهم يوم بدر و كانوا يتمنون لقاء العدو و أن يكون لهم يوم كذلك اليوم يقاتلون فيه و يلتمسون الشهادة.
و القرآن مليء بتعظيم حال الشهداء قال تعالى : وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( آل عمران : ١٦٩ ) و قال تعالى : فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء ( النساء : ٦٩ ).
ومن ثم كان من جملة فوائد هذه المداولة حصول هذا المنصب العظيم لبعض المؤمنين.
ثم أتى بجملة معترضة بين ما قبلها و ما بعدها لبيان أن الشهداء يكونون ممن أخلصوا في إيمانهم وأعمالهم و لم يظلموا أنفسهم بمخالفة أوامر الله و نواهيه و الخروج عن سننه في خلقه فقال :
و الله لا يحب لظالمين أي أن الله لا يصطفي للشهادة الظالمين ما داموا على ظلمهم، و في ذلك بشارة للمتقين بمحبة الله لهم و إنذار للمقصرين بأنه لا يحبهم الله، و تعريض لأعدائهم المشركين بأن الله لا يحبهم لأنهم ظلموا أنفسهم و سفهوها بعبادة المخلوقات و ظلموا سواهم بالفساد في الأرض و البغي على الناس و هضم حقوقهم، و من المعلوم أن الظلم لا تدوم له سلطة و لا تثبت له دولة بل تكون دولته سريعة الزوال قريبة الانحلال.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير