وفي هذه الآية إشارَهٌ إلى أنَّ (١) مَنْ كان مؤمنًا، لا يَنْبَغِي له أن يَضْعُفَ لِمَا يَنَاله مِن مُصِيبَةٍ في الدُّنْيَا، بل يجب أن يسكن نفسُهُ، وينتفي حزْنُهُ بما هو عليه مِن الاستعلاء، والفوز بالأُمْنِيَةِ في العاقِبة.
١٤٠ - قوله تعالى: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ الآية.
مَعْنَى يَمْسَسْكُمْ: يُصِبْكم (٢). يقال: (مَسَّهُ أَمْرُ كذا)، [أو] (٣) (مَسَّتْهُ الحَاجَة)؛ أي: أصابته. وتأويله: لَصِقَ بِهِ، وأصابَهُ في ذاته (٤).
و (القَرْحُ): قُرِئ بِضَمِّ القَافِ، وفَتْحِه (٥).
قال أهل اللغة (٦): هُمَا لُغَتَانِ في عَضِّ السِّلاح ونَحْوِهِ، مِمَّا يَجْرَحُ [الجَسَدَ] (٧)، مثل: (الوَجْد، والوُجْد) (٨)، و (الضَّعْف، والضُّعْف)، وبابه (٩).
(٢) انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ١٠٤.
(٣) (أو): في (أ)، (ب): و. والمثبت من (ج).
(٤) أصل (المَسِّ): لمس الشيء باليد. ثم تُوُسِّعَ فيه، واستعير للتعبير عن معانٍ عدَّة. انظر: (مسس) في: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٣٩٤، و"اللسان" ٧/ ٤٢٠١.
(٥) القراءة بضم القاف في (قُرْح)، هي من رواية أبي بكر عن عاصم، وقراءة حمزة، الكسائي. والقراءة بفتحها (قَرْح)، من رواية حفص عن عاصم، وابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وابن عامر.
انظر: "علل القراءات" ١/ ١٢٦، و"الحجة" للفارسي ٣/ ٧٩، و"التبصرة" ٤٦٤.
(٦) هو قول الليث. ذكره الأزهري في: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٩١٨ (قرح).
(٧) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ)، والمثبت من (ب)، (ج).
(٨) يقال: (وَجَدَ الشيءَ، يجِدُه، جِدَةً، ووُجْدًا، ووَجْدًا، ووجودا؛ ووُجْدانًا، وإجْدانًا). وتأتي (الوُجْدُ) و (الوَجْدُ)، بمعنى: اليَسَار، والسَّعَة. انظر: "اللسان" ٨/ ٤٧٧٠ (وجد).
(٩) ومنها: (الكَرْه والكُرْه)، و (الفَقر والفُقْر)، و (الدَّف والدُّفُّ)، و (الشَّهْد والشُّهْد)،=
قال الفراء (١): وكأن (القُرْح): أَلَمُ الجِرَاحات، وكأن (القَرْح): الجراحات (٢) بأعيانها.
وقال الزجاج (٣): هما عند أهل اللغة بمعنى واحد؛ ومعناهما: الجراح وألَمُهَا. يقال: (قَرَحَهُ): إذا جَرَّحهُ (٤).
قال الشاعر:
| لا يُسلِمُونَ قَرِيحًا حَلَّ وَسْطَهُمُ | يَوْمَ اللِّقَاءِ ولا يُشْوُونَ مَنْ قَرَحُوا (٥) |
انظر: "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٣٤، و"الحجة" للفارسي ٣/ ٧٩.
(١) في "معاني القرآن" له ١/ ٢٣٤. نقله عنه بنصه.
(٢) (وكأن القرح الجراحات): ساقط من (ج).
وفي "معاني القرآن" الجرح -بدلًا من: الجراحات-.
(٣) في "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٤٧٠. نقله عنه بنصه.
(٤) هكذا جاءت في (أ): (جَرَّحَه). وفي (ب)، (ج): مهملة من علامات الشكْل. والأصوب: (جَرَحَه) بدون تشديد في الرَّاء. وهكذا وردت في مصادر اللغة.
قال ابن السكيت: (قَرَحَه، يَقْرَحُهُ، قَرْحًا: إذا جَرَحَه). "إصلاح المنطق" ص ٨٠، ١٩٥. وانظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٩١٨ (قرح)، و"مفردات ألفاظ القرآن" ٦٦٥ (قرح)، و"الدر المصون" ٣/ ٤٠٣.
(٥) البيت للمتنخل الهذلي. وقد ورد منسوبًا له في: "إصلاح المنطق" ٨١، ١٩٥، و"شرح أشعار الهذليين" ١٢٧٩، و"الأمالي" للقالي ١/ ٢٨، و"الصحاح" ٣٩٥ (قرح)، و"اللسان" ٦/ ٣٥٧١ (قرح).
وورد غير منسوب في: كتاب "المعاني الكبير" ٩٠١، و"جمهرة اللغة" ٥٢٠ (قرح). وقد وردت روايته في "الجمهرة":
| لا يُسْلِمون قَرِيحا كان وسْطَهُمُ | تحت العَجَاج ولا يشوون من قرحوا |
و (قَرِحَ الرَّجُلُ، يَقْرَحُ): إذا صَارَ قَرِيحا (١).
قال المفسِّرُون (٢): يقول: إنْ أصابكم جُرْحٌ يوم أُحُد، فقد أصابَ المشركين (٣) مثْلُهُ يومَ بَدْر.
وقوله تعالى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ.
قال ابنُ عبَّاس (٤): يعني: أيَّام الدُّنْيَا، نُداوِلُها [بَيْنَ النَّاس] (٥). [قال الحَسَنُ] (٦)، وقَتادة (٧)، والرَّبِيع (٨)، والسُّدِّي (٩): نصرفها مَرَّةً
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" ١/ ٣٠٣، و"الطبري" ٤/ ١٠٤، و"بحر العلوم" ١/ ٣٠٤، و"تفسير الثعلبي" ٣/ ١٢٢ ب، و"النكت والعيون" ١/ ٤٢٦.
وقد رجح هذا القول: البغوي، والقرطبي، والنسفي، والشوكاني، وصديق خان.
انظر: "تفسير البغوي" ٢/ ١١٠، و"تفسير القرطبي" ٤/ ٢١٧، و"تفسير النسفي" ١/ ٨٤، و"فتح القدير" ١/ ٥٨٤، و"فتح البيان" ٢/ ١٣٧.
(٣) في (ب)، (ج): (المشركون).
(٤) لم أقف على مصدر قوله هذا. وُيفهم من قوله -هنا- عموم أيام الدنيا، وما فيها من مداولة بين الناس، من عُسْر وُيسْر، وفَرَح وغَمِّ، بينما وردت آثار أخرى عنه، تخصص هذه الأيامَ بما حدث يوم بدر واحد، حيث كانت الدولة للمسلمين على المشركين يوم بدر، وللمشركين على المسلمين يوم أحد. انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ١٠٥، و"تفسير ابن أبي حاتم" ٣/ ٧٧٢.
(٥) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).
(٦) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).
وقول الحسن، في: "تفسير الطبري" ٤/ ١٠٤ - ١٠٥، و"تفسير ابن أبي حاتم" ٣/ ٧٧٣، و"النكت والعيون" ١/ ٤٢٦.
(٧) قوله في: "تفسير الطبري" ٤/ ١٠٥، و"النكت والعيون" ١/ ٤٢٦.
(٨) قوله في: "تفسير الطبري" ٤/ ١٠٥، و"تفسير ابن أبي حاتم" ٣/ ٧٧٣.
(٩) قوله في: "تفسير الطبري" ٤/ ١٠٥.
لِفِرْقَةٍ ومَرَّةً عليها.
والدَوْلَةُ: الكَرَّةُ (١). و (أَدَالَ اللهُ فُلانًا مِن [فُلان): إذا جَعَلَ الكَرَّةَ لَهُ عليه؛ يريد] (٢): أَنَّهُ أدالَ المسلمينَ مِنَ المُشْرِكين يَوْمَ بَدْر، وأدال المشركين مِنَ المسلمين يوم أُحُد.
وقوله تعالى: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا. اختلفوا في العامل في اللام، فذكروا فيه وجهين:
أحدهما: أن اللام صِلَةٌ لِفِعْلٍ مُضْمَر (٣)، يدل عليه أولُ الكلام،
ويرى بعضُ أهل اللغة أن بينهما فرقًا، فقالوا: الدَّولة -بالفتح-: تستعمل في العرب خاصة، وهو أن تدال إحدى الفئتين على الأخرى. وبالضم: في المال خاصة. يقال: (صار الفيءُ دوْلة بينهم)؛ أي: يتداولونه مرَّة لهذا ومرة لهذا. وقيل: بالفتح: للفعل، وهو الانتقال من حال إلى حال. وبالضم: اسمٌ للشيء المتداول بعينه. وقيل: بالفتح: أن ترجع الكرة للجيش المهزوم، فينتصر على من هزمه، فتكون له الدَّوْلة. وبالضم: في الملْك والسنن التي تُغير وتُبدل عن الدهر. انظر (دول) في: "التهذيب" ٢/ ١٢٤٨، و"المقاييس" ٢/ ٣١٤، و"اللسان" ٣/ ١٤٥٥، و"التاج" ١٤/ ٢٤٥.
(٢) ما بين المعقوفين ورد مكانه في سورة الأصل: العبارةُ التالية: (عن خلق وتأتي مثله). وهي عِبَارَةٌ مكانها في الصفحة التي تليها في الأصل، ولكن نظْرًا لوجود خرم في الأصل في هذا الموضع، فقد ظهرت هذه العبارة في المصورة في هذه الصفحة. وقد أثبتها من (ب)، (ج).
(٣) في (ب): (لمضمر). -بدلًا من: لفعل مضمر-.
بتقدير: ولِيَعلم اللهُ الذين آمنوا؛ نُدَاولها (١).
الوجه الثاني: أن العامل فيه: نُدَاوِلُهَا (٢) المذكور؛ بتقدير: نداولها بين الناس؛ ليظهر أمرهم، وليَتَبَيَّنَ (٣) أعمالَهم، وليعلم الله الذين آمنوا.
فَلَمَّا انكشف معنى اللّامِ المُضمَرة في (لِيظهر)، و (لِيَتبيَّن)، جرت مجرى الظاهرة؛ فأمكن (٤) العطْفُ عليها. [و] (٥) الوجهان، ذكرهما ابنُ الأنباري (٦)، وغيرُهُ مِن أهلِ النَّحْو.
و (العِلْمُ) إذا لم يتعلق بالذَّاتِ، اقتَضَى مَعْلُومَيْنِ؛ كما تقول: (عَلِمْتُ زَيْدًا عاقلًا، وَجَوادا). فلا (٧) تقول: (عَلِمْتُ زَيْدًا) فقط؛ إلّا أن تريد به: عَرَفْتَهُ، وعَلِمْتَ مَنْ هُوَ (٨).
(٢) في (ج): (تداولها).
(٣) ورد هذا النص في: "الدر المصون" ٣/ ٤٠٥ ينقله عن ابن الأنباري، وفيه: (ولِيُظْهِرَ أمرَهم، ولِنبيِّن أعمالهم).
(٤) في (ب): (وليكن).
(٥) غير واضحة في (أ)، وفي (ب): (بـ). والمثبت من (ج).
(٦) لم أقف على مصدر قوله. وقد أورده السمين الحلبي في "الدر" ٣/ ٤٠٥.
(٧) في (ج): (ولا).
(٨) أي: أن العِلْمَ -هنا- متعلق بذاته. ويجوز أن يتعدى (عَلِمَ) إلى مفعول واحد؛ وذلك إذا كان بمعنى (عَرَف)، أو أن يكون العِلْمُ متعلقًا بالذوات دون الأحوال. فأما إذا كان بمعنى (عرف) فيرى السمينُ الحلبيُّ أنه يُشْكِلُ في هذا الموضع؛ لأن الله -تعالى- لا يجوز أن يوصف بذلك، وإنما يوصف بالعلم؛ لأن المعرفة هي: إدراك الشيء على ما هو عليه، وهي مسبوقة بجهل، أو نسيان حاصل بعد العلم.=
والمفعول الثاني -ههنا- محذوف. والتقدير: وَلِيَعلمَ اللهُ الذين آمنوا [مُمَيَّزينَ] (١) بالإيمان مِنْ غيرهم؛ أي: إنما يجعل الدَّولةَ للكفارِ على المسلمين، لِيُميِّزَ (٢) [المؤمن] (٣) المخلص (٤)، مِمَّن يرتد عن الدين إذا أصابته نكبةٌ.
ويحتمل أن يكون (العِلْمُ) -ههنا- بمعنى: معرفة الذات؛ والتأويل: وَلِيَعلمَ اللهُ الذين آمنوا بما يظهر من صبرهم على جهاد عدوِّهم؛ أي: لِيَعرِفَهم بأعيانهم. إلَّا أنَّ سَبَبَ العِلْم، -وهو: ظهور الصبر -حذف ههنا-.
وقال الفراء (٥): هذا في مذهب [(أيّ)] (٦) و (مَنْ)؛ التأويل: ليعلم الله مَن المؤمن، وأيّهُم المؤمن؛ كما قال: لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى. وجاز ذلك؛ لأنَّ في (الذي)، وفي الأَلِفِ واللَّامِ تأويل (مَن) و (أيّ)؛ كما قال: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت: ٣].
(١) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ)، وساقط من (ب). والمثبت من (ج).
(٢) في (ب): (ليتميز).
(٣) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ)، وساقط من (ب). والمثبت من (ج).
(٤) في (ب): (الملخص).
(٥) في "معاني القرآن" له ١/ ٢٣٤. نقله عنه باختصار، وتصرف يسير. وانظر: "تفسير الطبري" ٤/ ١٠٦.
(٦) ما بين المعقوفين في (أ) غير مقروء. وفي (ب): (أين). والمثبت من (ج).
وتأويل قوله: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، واللهُ تعالى يعلم الشيءَ قبلَ وُجُودهِ، ولا يحتاج إلى سَبَبٍ حَتى يعلم؛ وإنما المعنى: وَلِيَعْلَمَ ذلك واقِعًا منهم.
أي: لِيَقَعَ ما عَلِمَهُ غَيْبًا، مُشَاهَدَةً للناس. والمُجَازاة إنَّمَا تَقَع بِما يعلمه موجودًا كائِنًا، لا (١) بِمَا عَلِمَهُ غَيْبًا (٢). وهذا كقوله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [محمد: ٣١]. وقد استقصينا ما في هذا عند قوله: إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ [البقرة: ١٤٣].
وقوله تعالى: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ أي: وَلِيُكْرِمَ قَوْمًا بالشَّهَادةِ؛ وذلك أنَّ المسلمين تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوَّ، وأنْ يَكُونَ لهم يومٌ كيوم بَدْر، يقاتِلُوا فيه العَدُوَّ، ويَلْتَمِسُوا الشهادة (٣).
والشُّهَدَاء: جمع شَهِيد؛ كـ (الكُرَمَاء)، و (الظُّرَفَاء). والمقتول مِنَ المسلمين بِسَيْفِ الكُفَّار، يُسَمَّى: شهيدًا.
واختلفوا فيه: لِمَ سُمِّيَ شهيدًا؟:
فقال النَضْرُ بن شُمَيْل (٤): الشَّهِيد: الحَيُّ. قال الأزهري (٥): أراه تَأَؤَّلَ قولَ اللهِ جلَّ وَعَزَّ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٤٧٠ - ٤٧١، و"معاني القرآن" للنحاس ١/ ٤٨٢، و"المحرر الوجيز" ٣/ ٣٤١، و"البحر المحيط" ٣/ ٦٣.
(٣) من قال ذلك: ابن عباس، ومجاهد، وابن جريج، والضحاك، وقتادة، والربيع، والسدي، وابن إسحاق. انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ١٠٦ - ١٠٧.
(٤) قوله، في: "تهذيب اللغة" ٢/ ١٩٤٣ (شهد)، و"اللسان" ٤/ ٢٣٤٨ (شهد).
(٥) قوله، في "التهذيب" ٢/ ١٩٤٣ (شهد). نقل أكثر قوله بنصِّه وتصرف قليلًا في آخره.
عِنْدَ رَبِّهِمْ} (١)، كأنَ أرواحَهُم أُحْضرَت (٢) دارَ السَّلام [أحياءً، و] (٣) أرواحَ غيرهم لا يَشهَدها (٤). وهذا قولٌ حَسَنٌ.
وقال ابنُ الأنباري (٥): سُمَّي شهيدا، لأن الله وملائكته شُهُودٌ له. فهو (فَعِيل)، بمعنى: (مَفْعُول له).
وقال قومٌ (٦): سُمُّوا شُهَداء؛ لأنهم يُسْتَشْهَدُونَ يومَ البَعثِ (٧)، مع الأنبياء والصِّدِّيقِينَ على الأمم؛ كما ذَكَرَهُ اللهُ تعالى في قوله: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ١٤٣].
قالَ أبو منصور (٨): والشهادة -يومئذ- تكون للأفضل (٩) فالأفضل مِنَ الأُمَّةِ. فأفضلهم مَن قُتِلَ في سبيل الله؛ أَبَانَهم اللهُ من غيرهم -بالفضل الذي يميَّزوا به- مِن جَمَاعَةِ المؤمنين. (١٠) وبَيَّن أنَّهم أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [آل عمران: ١٦٩]، الآية. ثم يتلوهم في الفضل مَنْ عَدَّه النبيُّ - ﷺ - مِنَ
(٢) في (ج): (حضرت).
(٣) ما بين المعقوفين زيادة لازمة من: "تهذيب اللغة".
(٤) وفي "التهذيب": وأرواح غيرهم أخِّرَتْ إلى يوم البَعْث.
(٥) قوله، في: المصدر السابق. نقله عنه بمعناه.
(٦) أورد هذا القول الأزهريُّ في المصدر السابق، ولم ينسبه لقائل.
(٧) في (ب): (بالبعث). بدلًا من: (يوم البعث).
(٨) هو الأزهري، وقوله في: "تهذيب اللغة" ٢/ ١٩٤٣. نقله عنه بتصرف واختصار.
(٩) في (أ)، (ب): الأفضل. والمثبت من (ج)، و"تهذيب اللغة".
(١٠) وعبارة "التهذيب": ميّزت هذه الطبقة عن الأمة بالفضل الذيَ حازوه.- بدلًا من عبارة المؤلف: (أبانهم.. المؤمنين).
المسلمين شهيدا؛ فإنه قال: "المَبْطْونُ شَهِيد (١)، والغرِيق شَهيد (٢) " (٣).
وذَكَرَ -أيضًا- غيرَ هذين. ويدل على هذا ما رُوي أنَّ النَبِيَّ - ﷺ - قال:
(٢) في (ب): (شهيدا).
(٣) الحديث ورد من رواية جابر بن عتيك، ونصه: (.. فقال رسول الله - ﷺ -: "وما تعدُّون الشهادة؟." قالوا: القتل في سبيل الله. فقال رسول الله - ﷺ -: "الشهداء سَبْعَةٌ، سوى القَتْل في سبيل الله: المَطْعُونُ شهيد، والغَرِقُ شهيد، وصاحبُ ذات الجَنْب شهيد، والمَبْطُونُ شهيد، والحَرِقُ شهيد، والذي يموت تحت الهَدْمِ شهيد، والمرأَة تموت بِجُمْعٍ شهيد".
وقد أخرجه مالك في: "الموطأ" ١٦١ رقم (٣٦) كتاب الجنائز. باب النهي عن البكاء على الميت. واللفظ له.
وأخرجه أحمد في "المسند" ٥/ ٤٤٦ انظر: "الفتح الرباني" ١٤/ ٣٩)، وأبو داود في "السنن" رقم (٣١١١). كتاب الجنائز. باب في فضل من مات في الطاعون. وأخرجها النسائي في "السنن" رقم (١٨٤٦) كتاب الجنائز. باب النهي عن البكاء على الميت. رقم (٣١٩٤) كتاب الجهاد. باب من خان غازيا..
وأخرجه ابن ماجه في "السنن" رقم (٢٨٠٣) كتاب الجهاد. ما يرجى فيه الشهادة، وصححه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه" رقم (٢٢٦١).
وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" ٣/ ٥٦٢ رقم (٦٦٩٥).
وابن حبان في صحيحه ٧/ ٤٦١ رقم (٣١٨٩)، ٤٦٣ رقم (٣١٩٠).
وأخرجه الحاكم في "المستدرك" ١/ ٣٥١ كتاب الجنائز، وصححه ووافقه الذهبي،
والطبراني في "المعجم الكبير" ٢/ ١٩١ رقم (١٧٧٩)، ١٩٢ رقم (١٧٨٠)، و"الأوسط" ٢/ ١٤٢ (١٢٦٥)، والبغوي في "شرح السنة" ٥/ ٤٣٣ رقم ١٥٣٢.
وأخرج الشافعى أوَّلَه في "المسند" ١/ ١٩٩ رقم (٥٥٦)، وكذا البيهقي في "السنن" ٤/ ٦٩ واقتصر على أوَّله.
وقد ورد حديث آخر بنحو هذا الحديث عن أبي هريرة: (الشهداء خمسة:..) وذكر بعضر الأنواع التي وردت في الحديث السابق. =
"مالَكُمْ إذا رَأَيتم الرَّجلَ يُخَرِّقُ (١) أغرَاَض الناس، ألآ تُعَرِّبُوا عليه (٢) "؟
وانظر أحاديث، وآثارًا أخرى في: "صحيح البخاري" (٥٧٣٣) كتاب الطب. باب ما يذكر في الطاعون، و"مصنف عبد الرزاق" ٥/ ٢٦٩ رقم (٩٥٧٢)، ٢٧١ رقم (٩٥٧٥، ٩٥٧٦، ٩٥٧٧)، و"سنن سعيد بن منصور" ٢/ ٢٣٥ - ٢٣٦ رقم (٢٦١٥، ٢٦١٦، ٢٦١٧)، و"فتح الباري" ٦/ ٤٣ - ٤٤، و"كنز العمال" ٤/ ٤٢١ - ٤٢٤ رقم (١١٢١٣ - ١١٢٣١)، و"الفتح الرباني" ١٤/ ٣٤ - ٣٩.
و (المبطون): الذي مات بداء البطن، كالاستسقاء، ونحوه من العلل. و (المطعون): الذي مات من إصابته بالطاعون. و (المرأة تموت بجُمْع): التي تموت وولدها في بطنها. وقيل: التي تموت بكرًا. و (ذات الجنب): التهاب يصيب غلاف الرئة، ينتج عنه سُعال وحمى، ونخس في الجنب، ويسمى- كذلك (الجُناب).
(١) (يُخرِّق) جاءت في: (أ)، (ب)، (ج) مهملة من الشكل، وفي "تهذيب اللغة" ٢/ ١٩٤٤: (يَخرِق)، خلاف ما جاء في مخطوط التهذيب، كما أشار إلى ذلك محقق التهذيب. وكذا ورد ضبطها في: "اللسان" ٤/ ٢٣٤٨ (شهد)، وما أثبتُّه هو ما استصوبته؛ لأنها وردت في مصادر الخبر (يُخرِّق)، ومن هذه المصادر: أصل مخطوط "تهذيب اللغة"؛ حيث أشار إلى ذلك محقق التهذيب في هامش نفس الصفحة قائلًا: (ضُبط في مُصوَّرة التهذيب بضم أوَّلِه؛ فكأنه يُراد فيها مشدَّد الراء من (التخريق). ولكن المحقق أثبتها (يَخرِق) إما باجتهاد منه، أو اعتمادًا على ما في "اللسان".
وكذا وردت (يُخرَق) في: "غريب الحديث" لابن سلّام ١/ ١٠٢، ٢/ ٢٨، و"الفائق" للزمخشري ٢/ ٤١٤، و"غريب الحديث" لابن الجوزي ٢/ ٧٨، و"النهاية" لابن الأثير ٣/ ٢٠١.
(٢) (تُعَرِّبوا) وردت في (أ)، (ب)، (ج) مهملة من الشكل. ووردت في "تهذيب اللغة" (تُعرِبوا)، وهو خلاف ما ورد في أصل التهذيب كما أشار إلى ذلك =
فقالوا: نَخَاف لِسَانَهُ يا رَسُولَ الله. فقال: "ذلك [أدْنَى] (١) أنْ لا تَكُونوا شُهَداء" (٢) معناه: أنكم إذا لَمْ تُعَرِّبُوا على مَن يتناول أعراضَ المسلمين؛ مَخَافَة لِسَانِهِ، لم تَدْخُلُوا في جُمْلَةِ المُسْتَشْهَدِين يومَ القيامة على الأمم التي كَذَّبَتْ أنبياءَها.
وكذا وردت بتشديد الراء في مصادر الخبر المشار إليها سابقًا. وهي ما اعتمدت عليه في ضبط الكلمة.
أما في "لسان العرب" ٤/ ٢٣٤٨ (شهد) فقد نقل هذا النص عن الأزهري وفيه: (أنْ لا تَعْزِمُوا عليه).
(١) ما بين المعقوفين زيادة من "تهذيب اللغة"، وبقية مصادر الأثر التالية.
(٢) الأثر، لم أهتد إليه في كتب السنة، وقد أورده: أبو عبيد بن سلّام في: "غريب الحديث" ١/ ١٠٢ من قول عمر - رضي الله عنه -، حيث قال: (وقد روي عن عمر أنه قال:..) وذكره، وفي: ٢/ ٢٨ قال: (وفي حديث عمر: ما يمنعكم إذا رأيتم الرجل..) وذكره وأشار محقق "غريب الحديث" في هامش: ٢/ ٢٥٢ إلى أنه وردت زيادة في بعض نسخ الغريب فيها سند هذا الأثر، وهو: (.. قال: حدثناه أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن زيد بن صوحان، عن عمر..).
وفي "التهذيب" ٦/ ٧٤: جعله من قول عمر، حيث قال: القوله (..)، وقد أورده الزمخشري في "الفائق" ٢/ ٤١٤، وابن الجوزي في "غريب الحديث" ٢/ ٧٨ وقال: (قال عمر: مالكم..) وذكره، وابن الأثير في "النهاية" ٣/ ٢٠١.
وفي جميع المصادر السابقة التي أوردت الأثر لم يرد فيها قولهم: (.. يا رسول الله..). وقوله: (تُعَرِّبوا عليه)؛ أي: تقبِّحوا قولَه، وتعيبوه، وتَرَدُّوه عليه، وتُفسِدوا عليه كلامَه، وتهجِّنوه.
انظر: "الفائق" ٢/ ٤١٤، و"اللسان" ٥/ ٢٨٦٦ (عرب)، في كتاب "النخل" لأبي حاتم السجستاني ١٠١: (وفي الحديث: (فما عرَّبتم عليه)، أيَ: فما غيَّرتم).
وقيل في الشَّهِيد: إنَّه سُمِّيَ (شَهِيدا) (١): لأنه شَهِد الجَنَّة؛ أي: حَضَرَها حين استشهد. فهو على هذا التأويل، بمعنى (٢): (شاهد)، وهو: الحاضر؛ كما يقال: (سميع وسامع)، و (عليمٌ وعالِم) (٣). وهذا قريب مِمَّا قاله ابنُ شميل (٤).
وقوله تعالى: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ قال ابن عباس (٥): أي: المشركين.
وفي هذا [إشارة] (٦) إلى أنه إنَّما [يُدِيل] (٧) الكافرين على المؤمنين؛ لِمَا ذَكَرَ (٨)، لا (٩) لأنَّهُ يُحِبُّهم. وإذْ (١٠) أَدَالَ المؤمنين، أدَالَهُمْ نُصْرَةً لهم، ومَحَبَّةً منه إيَّاهم.
وجملة معنى الآية: أنها [تَسْلِيَة] (١١) للمؤمنين [عَمَّا نالَهُم مِنَ
(٢) في (أ)، (ب): (معنى). والمثبت من (ج).
(٣) وردت -هنا- عبارة مكررة في (ج)، وهي: (فهو على هذا التأويل).
(٤) أورد ابن حجر في "فتح الباري" هذه الأقوال في سبب تسمية الشهيد بهذا الاسم، وزاد عليها أقوالًا أخرى، ثم قال: (وبعض هذه يختص بمن قتل في سبيل الله، وبعضها يعم غيره، وبعضها قد ينازع فيه). "فتح الباري" ٦/ ٤٣.
(٥) قوله، في "تفسير ابن أبي حاتم" ٣/ ٧٧٤.
(٦) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).
(٧) ما بين المعقوفين في (أ)، (ب): (يريد). والمثبت من (ج). وهو الصواب.
(٨) أي في قوله تعالى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ
(٩) لا: ساقطة من (ج).
(١٠) في (ب)، (ج): (وإذا).
(١١) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي