قال محمد بن كعب : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أحد إلى المدينة وقد أصابهم ما أصابهم قال ناس من أصحابه عليه السلام من أين هذا ؟ وقد وعدنا الله النصر فأنزل الله تعالى ولقد صدقكم الله وعده بالنصر بشرط التقوى والصبر حين نصركم في ابتداء القتال كما ذكرنا إذ تحسّونهم متعلق بصدقكم أي تقتلونهم قتلا ذريعا من أحسه إذا أبطل حسه، وقال أبو عبيدة الحسن الاستئصال بالقتل بإذنه أي بقضائه حتى إذا فشلتم أي جبنتم وضعفتم، وقيل : معناه ضعف رأيكم وملتم إلى الغنيمة فإن الحرص من ضعف العقل وتنازعتم في الأمر كما مر أنه تنازع أصحاب عبد الله بن جبير حين رأوا غلبة المؤمنين وانهزام المشركين فقال أكثرهم : انهزم القوم فما مقامنا ؟ فقال عبد الله : أنسيتم ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : لم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، وقال عبد الله ومن معه : لا نجاوز أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصيتم أمر الرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل الواو زائدة ومعناه إذا فشلتم تنازعتم وهذا ليس بشيء لأنه يقتضي تقدم الفشل على التنازع والواقع أن الفشل أي الجبن إنما وجد بعد التنازع والعصيان فإنهم اجترءوا أول الأمر حيث كروا على عسكر المشركين للنهب، وقيل : في الكلام تقديم وتأخير تقديره حتى إذا تنازعتم في الأمر وعصيتم فشلتم، فلا إشكال على كون الواو زائدة، والأظهر أن الواو ليست بزائدة وجواب إذا محذوف يعني إذ فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم منعكم نصره وألقاكم فيما أصابكم، والواو لمطلق الجمع دون الترتيب فلا يقتضي تقديم الفشل على التنازع والعصيان من بعد متعلق بفشلتم ما أراكم الله ما تحبون من الظفر والغنيمة منكم من يريد الدنيا يعني تركوا المركز وأقبلوا على النهب ومنكم من يريد الآخرة يعني ثبتوا مع عبد الله بن جبير، قال عبد الله بن مسعود : ما شعرت أن أحدا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى كان يوم أحد نزلت هذه الآية، يعني لم يرد أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الدنيا إلا هؤلاء النفر في ذلك اليوم فقط حتى نزلت فيهم هذه الآية ثم صرفكم أيها المسلمون بشؤم عصيانكم عنهم أي عن الكفار بالهزيمة حتى حالت الحالة فغلبوكم ليبتليكم أي ليمتحنكم حتى يظهر المؤمنين من المنافقين، أو المعنى لينزل البلاء عليكم بما صنعتم، وبهذا يظهر أنه قد يبتلي العامة بمعصية بعضهم فيكون ذلك عقوبة للعاصي وسببا لمزيد الأجر للمطيع ولقد عفا عنكم قل يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة تفضلا أو بعدما ندمتم عن المخالفة والله ذو فضل على المؤمنين يتفضل عليهم بالعفو إذ شاء أو يتفضل عليهم في الأحوال كلها فإن إنزال المصيبة بالمؤمنين بعد معصيتهم أيضا تفضل من الله تعالى حيث يمحصهم من الذنوب، روى البغوي بسنده عن علي أبي طالب قال : ألا أخبركم بأفضل آية من كتاب الله حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير ١ وسأفسرها لك يا علي : ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم والله عز وجل أكرم من أن يثني عليهم العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنه في الدنيا فالله أحكم من أن يعود بعد عفوه ".
التفسير المظهري
المظهري