ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين١٥٢* إذ تصعدون ولا تلوون على احد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون١٥٣
في الآيات السابقات إشارات إلى بعض ما كان في غزوة احد من اضطراب القلوب، والرجفة التي أصابت الصفوف، وشيوع القالة المثبطة للعزائم الممزقة للوحدة، وإنتاج هذه المقالة نتائجها في قلوب ضعيفة، ونفوس مريضة بالنفاق، وفي هذه الآيات وما وليها يذكر الله سبحانه وتعالى سبب الهزيمة مقترنا بنتائجها في نفوس المؤمنين الثابتين في إيمانهم، الأقوياء في عزيمتهم، الذين احتسبوا النية لله رب العالمين، فقال سبحانه :
ولقد صدقكم الله وعده غذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعد الله تعالى الذين آمنوا بالنصر وعدا عاما عندما أذن لهم بالقتال، ووعدهم في أحد وعدا خاصا، فقد قال سبحانه وتعالى في الوعد العام : وأذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وغن الله على نصرهم لقدير٣٩ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا ان يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره عن الله لقوي عزيز٤٠ [ الحج ].
والوعد الخاص في احد جاء ذكره في قوله تعالى : إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم ان يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين١٢٤ بلى عن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين١٢٥ [ آل عمران ].
ونرى الوعد بالنصر في الآية الأولى التي كان الوعد فيها عاما كان مقيدا بان ينصروا الله في قتالهم، لا يريدون مأربا دنيويا ولا عرضا من أعراض الدنيا، كما ترى الوعد في احد خاصة كان مقيدا بان يصبروا، وقد تخلف الشرطان في احد، فإن فريقا منهم أراد عرضا من أعراض الدنيا في أثناء المعركة، ولم يصبروا ؛ إذ لم يضبطوا إرادتهم ولم تستحصد عزائمهم في طاعة القائد، فإن طاعة القائد من سبل النصر، وتحتاج إلى صبر وضبط نفس، ولذلك لم يكن في أحد ما ينافي صدق الله وعده لنبيه، وصدق النبي في وعده لهم بإذن من ربه سبحانه وتعالى.
ومعنى صدق الوعد في قوله تعالى : ولقد صدقكم الله وعده ان يقع الأمر في الوجود كما وعد الله تعالى وهنا( صدق ) متعدية إلى مفعولين، والمعنى قد أوقع الله سبحانه وتعالى الأمر في الوجود، كما وعدكم، بروح منه، ولكنكم انتم الذين لم تلتزموا الجادة، ولم تكونوا ناصرين الله تعالى في المعركة كلها ؛إذ لم يكن قتالكم لله تعالى في هذه المعركة من مبتدئها إلى انتهائها، ولم تضبطوا أنفسكم، وإن وعد الله تعالى لكم بتأييد الملائكة، وهي الأرواح الطاهرة المطهرة، كان مقيدا بالصبر النفسي، ولم تصبروا أنفسكم وبين سبحانه وتعالى وقت النصر، وهو وقت ابتداء الحرب، فقال سبحانه : إذ تحسونهم بإذنه ومعنى تحسونهم أي تصيبون حسهم بإزالته، وذلك يكون بقتله، فمعنى حسه أصاب حسه، مثل كبده أصاب كبده، وفاده أصاب فؤاده، وشغفه أصاب شغاف قلبه، ولقد قال في ذلك الأصفهاني :"حسست، وحسيت، وأحسست ) يقال على وجهين : أحدهما- يقال أصبته بحسي ( أي أدركته بإحساسي، ومنه شيء محسوس ) والثاني-أصبت حاسته نحو كبدته، وفادته، ولما كان ذلك قد يتولد عنه القتل عبر به عن القتل، فقيل( حسسته أي قتلته ).
والمعنى كان وعد الله صادقا كل الصدق عندما كنتم تقتلونهم بإذنه، مؤيدين منصورين، ومعنى الإذن هنا يتضمن معنى التأييد والتقوية والتثبيت، ولكنكم انتم الذين أبعدتم أنفسكم عن نصر الله تعالى، وأشار إلى ذلك سبحانه بقوله : حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون أي حتى إذا ضعفت نفوسكم وعجزتم عن مقاومة أهوائكم، وتنازعتم فيما بينكم انتبع الغنائم نجمعها، ام نطيع الرسول ؟ وانتهى أكثركم إلى العصيان من بعد ما أراكم الله- تعالى- ما تحبون من نصر مؤزر ثابت او من غنائم تحبونها، وتهواها أنفسكم. وهذا يفيد ان الترتيب النفسي يتفق مع الترتيب في الذكر ؛ وذلك لن الفشل، ومعناه العجز النفسي عن الصبر والاحتمال، ترتب عليه التنازع وعصيان الرسول، ولا بد أن نذكر هنا ما روى عن ذلك في غزوة احد، فقد روى البخاري عن البراء بن عازب :"لما كان يوم احد، ولقينا المشركين اجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أناسا من الرماة، وأمر عليهم عبد الله بن جبير، وقال لهم :"لا تبرحوا مكانكم، وإن رأيتموهم قد ظهروا علينا فلا تعينونا عليهم" فلما التقى القوم وهزمهم المسلمون حتى نظرنا إلى النساء يشتددن في الجبل١ وقد رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن فجعلوا( أي ناس من الرماة ) يقولون : الغنيمة الغنيمة، فقال لهم عبد الله : أمهلوا اما عهد إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الا تبرحوا ؟ فانطلقوا، فلما أتوهم صرف الله وجوههم وقتل من المسلمين سبعون رجلا"٢.
وإن الرماة لم يذهبوا جميعا إلى الغنائم يجمعونها، بل بقي منهم عدد قليل، قيل إنهم عشرة، ولكن نسب العصيان إليهم جميعا، بل نسب إلى الجيش كله، مع ان غير الرماة كانوا الفريسة لعصيان كثرة الرماة ؛ وذلك لأن ما يعم أثره ينسب إلى الجميع، باعتبار ذلك الأثر، وأنهم جميعا كان عليهم أن يتواصوا بالطاعة المطلقة للقائد الخبير، وذلك كقوله تعالى : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة... ٢٥ [ الأنفال ] فعلى كل جماعة ان تتضافر في منع ما يضر أثره بها كلها، لا بالظالمين فقط منها، وغن إثم الآثمين في الجماعات والمم، ينشأ من سكوت اهل الحق والعدل، ويعيش في ظل صمتهم، ولذلك ينسب العصيان إلى الجميع، ولقد بين سبحانه ان العصيان وإن نسب إلى الجميع كان فيهم من أراد الحق، وفيهم من أراد الدنيا من غير طريقها، فقال سبحانه : منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة .
هذا تفصيل للتنازع الذي كان بين الرماة، وما كان في الجيش نفسه، وهو خطاب لجمهور الذين اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم.. منكم أيها المحاربون من يريد الدنيا بإرادة الغنائم، والقصد إليها، وقد غلبته على نفسه حتى نسي الطاعة الواجبة والخطة المرسومة، وهو إذ يطلب الدنيا في هذا المقام، إنما يطلبها بغير الأخذ في أسبابها الحقيقية التي توصل إلى الغاية فيها، ولذلك ذهب طمعهم بالغنيمة والنصر معا، ولو صبروا حتى سارت الحرب في طريقها، والخطة إلى غاياتها، لنالوا النصر والغنيمة معا، فإنه لا غنيمة إلا بالنصر المستقر، ولا نصر إلا بالتزام خطة القائد الرشيد، ومنكم أيها المجاهدون من يريد الآخرة، وهم انتم الذين ضبطوا انفسهم عن الغنيمة، ولم يعصوا ما امر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو ذهبت الغنائم، وانتم الذين صبرتم في فتنة الهزيمة العارضة بعد ان اضطربت القلوب وأرجف المرجفون، وتنادي الكاذبون بأن محمدا قد مات، فقد صبرتم وصابر تم، وجاهدتم ونازلتم في الشديدة، والقوى حقا من يملك نفسه عندما تضطرب النفس، ويثبت عندما تكون دواعي الهزيمة، وأولئك أرادوا الآخرة ؛ لنهم ما طلبوا غنيمة، وكان ثباتهم في وقت الفزع دليلا على امتلاء قلوبهم بالإيمان بالله واليوم الآخر.
وهنا بحث لفظي يثيره العلماء، وموضوعه( إذا ) في قوله تعالى : حتى إذا فشلتم وتنازعتم . فقد ذكر الزمخشري وغيره ان فيها وجهين : أحدهما- ان تكون"حتى" بمعنى"إلى"، وان تكون( إذا ) لمجرد الوقت أي أن النصر كان حليفكم تقتلون فيه القتل الذر يع، إلى وقت ان فشلتم وتنازعتم في الأمر.
والوجه الثاني ان تكون شرطية، وجواب الشرط محذوف، وغن كان مفهوما انه شر لا خير فيه، وضرر لا نفع معه ؛ لن ما يكون مقدمه عجزا واضطرابا نفسيا وتنازعا في امر، ثم عصيانا يترتب عليه عدم تنفيذ خطة القائد الحكيم- لا يكون التالي المترتب عليه خيرا قط، ولم يذكر لتذهب فيه العقول كل مذهب، وللإشارة على انه شر عظيم لا يكتنه كنهه، ولا يتصورون حقيقته. وإنه كان من نتائج ذلك الضرر أنكم لم تنالوا بغيتكم من المشركين، ولذا قال تعالى : ثم صرفكم عنهم ليبتليكم .
أي النتيجة التي صرتم غليها غير المقصد الذي قصدتم إليه، لقد خرجتم إليهم من مدينتكم لتقتلوهم وتنالوا منهم ما نلتموه في بدر، ولم تريدوا ان تكونوا في المدينة يأتون إليكم، بل أردتم ان تواجهوهم في الميدان لا في الأزقة وبين الجدران، ولكن بسبب ذلك العصيان من بعضكم صرفكم الله عنهم، أي انصرفتم عنهم بإرادة الله تعالى، ورضيتم ان تعودوا مقهورين، وقد خرجتم لتعودوا منصورين بتأييد الله، ولتفاوت ما بين المقصد الأصلي، والنتيجة التي انتهوا إليها بسبب هذا الخطأ الجزئي- عطف سبحانه وتعالى ب"ثم" بدل الواو او الفاء.
وكان التعبير بكلمة( صرفكم ) بدل ( هزمتم ) لن ما حدث في احد لم يكن هزيمة، وإن لم يكن نصرا ؛ لن الهزيمة تقتضي ان يولى المسلمون الأدبار، وأن يتحكم العداء، وليس ما حدث أكثر من ان القتلى في المؤمنين كانوا أكثر من القتلى في المشركين، ولم ينل المشركون بذلك مأربا، فكان الله سبحانه وتعالى يشير لهم بأن ما حدث لا يصح ان تبتئسوا له، ولا يصيبكم الحزن ؛ لأنه ليس هزيمة، بل هو نوع من الصرف عن الغاية التي من اجلها خرجتم. وكان هذا لا بد منه ليمحص قلوبكم، وليختبركم بالشدائد التي تصقل نفوسكم، وتجعلها مستعدة لما يأتي به القدر، ولبيان ان الطاعة للقائد الحكيم هي أساس الظفر، والعصيان سبب للاندحار.
ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين في هذا النص السامي يبين سبحانه عفو الله تعالى ليرفع من نفوسهم، ويذهب الحسرة من قلوبهم، ويحيى موات العزة التي اختفت في وسط ذلك المضطرب، ولقد أكد سبحانه وتعالى عفوه بعدة تأكيدات أولها : بالتعبير ب"قد"، فإنها للتحقيق، واستعمالها في أكثر آي القرآن للتحقيق، وثانيها : باللام. وثالثها : بالتعبير بالماضي. ولماذا أكد سبحانه وتعالى عفوه بهذا التأكيد ؟ لأن أولئك الأبرار الذين اخلصوا دينهم لله تعالى قد تجسم في نفوسهم خطؤهم، حتى توهموا انه غير قابل للغفران، فإن المؤمن التقى يستكثر هفوته، ويستصغر حسنته ؛ لأنه يحس بحق الله تعالى عليه، ووجوب شكر النعم التي انعم بها، وبمقدار قوة الإيمان يغلب المؤمن خوف العقاب على رجاء الثواب.
ولقد ذيل سبحانه الآية بقوله تعالى : والله ذو فضل على المؤمنين لبيان فضل الله تعالى العميم على عباده المؤمنين، فكل شيء بفضله، فنصرهم في بدر بفضل منه، ونصرهم في الابتداء في احد كان بفضل منه، وخذلانهم بفشلهم وتنازعتم فيه فضل بتعليمهم حق الجهاد وواجبه، وعفوه عنهم هو الفضل كله، ولقد تأكد فضل الله تعالى في الآية بقوله : ذو فضل أي صاحب فضل، والمرمى ان الفضل يلازمه، ولا ينقطع عنه سبحانه وتعالى أبدا.
٢ رواه البخاري: المغازي- غزوة احد(٣٧٣٧) عن البراء رضي الله عنه..
زهرة التفاسير
أبو زهرة