والإشْرَاكِ به؛ فهم يُشْرِكون بالله الأوثانَ مِنْ غيْرِ حُجَّةً ولا بُرْهان (١).
وقوله تعالى: وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ. أي مرجعهم ومصيرهم.
وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ المَثْوَى: المكان الذي (٢) يُقِيم به؛ مِن قولهم: (ثَوَى، يَثْوِي، ثَوَاءً) (٣).
ويقال للمقتول: (ثَوَى) (٤)؛ لإقامته حيث قُتِل. وجَمْعُ الـ (مَثْوَى) (٥): مَثَاوِي (٦).
١٥٢ - قوله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ الآية.
قال القُرَظِيُّ (٧): لَمَّا رَجَعَ رسولُ الله - ﷺ -، وأصحابُه إلى المدينة، وقد
(٢) (الذي): ساقطة من (ب).
(٣) يقال: (ثَوَى المكانَ)، و (ثَوَى به)، (يَثوي، ثَواءً، وثُوِيًّا). ويقال -كذلك-: (أثْوَى)؛ بمعنى: أقام. و (أثْوَيْتُه، وثَوَّيْته): ألزمته الثَّواءَ فيه. انظر (ثوى) في: "التهذيب" ١/ ٥١٠، و"اللسان" ١/ ٥٢٤، و"التاج" ١٩/ ٢٦٢.
(٤) في "التهذيب" ١/ ٥١٠ (ثوى)، و"اللسان" ١/ ٥٢٥ (ثوى): (ويقال للمقتول: قد ثَوَى).
(٥) في (ج): (الثوى).
(٦) انظر: المصادر السابقة، و"القاموس" (١٢٦٨) (ثوى).
(٧) قوله في: "تفسير الثعلبي" ٣/ ١٣١ أ. وقد نقله المؤلف بنصه عنه، من قوله: (لما رجع..) إلى (.. ولقد صدقكم الله وعده).
وانظر قوله -كذلك- في: "أسباب النزول" للمؤلف (١٢٩)، و"زاد المسير" ١/ ٤٧٥، و"تفسير القرطبي" ٤/ ٢٣٣.
والقُرَظي، هو: أبو حمزة، محمد بن كعب بن سليم بن أسد القُرَظي. تقدمت ترجمته.
أصابهم ما أصابهم بِأُحُد، قال ناسٌ مِن أصحابه: مِنْ أين أصابَنَا هذا، وقد وَعَدَنا اللهُ النصرَ؟ [فأنزل اللهُ] (١): وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ؟.
وقال بعضهم: كان رسولُ اللهِ - ﷺ -، رَأَى في المنام أنَّه (٢) يذبح كَبْشًا، فصدَق رُؤياهُ بقتل (٣) طَلْحَةَ بن عثمان (٤)، صاحبِ لِوَاءِ المشركين، يوم أُحُد، وقَتْلِ تِسْعَة نَفَرٍ بعده على اللواء (٥)، فذلك قوله: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ؛ يريد: تصديق رؤيا رسول الله - ﷺ -.
والصِّدق يتعدى إلى مفعولين؛ تقول: صَدَقْتُهُ الوَعْدَ، والوَعِيدَ (٦).
(٢) (أ)، (ب)، (ج): (أن). وما أثبَتُه هو ما استصوبته.
(٣) في (ب): (فقتل).
(٤) انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ١٢٥ - ١٢٦.
وعند الواقدي: هو طلحة بن أبي طلحة، وأبو طلحة هو: عبد الله بن عبد العُزَّى بن عثمان بن عبد الدار بن قُصَي. انظر: "المغازي" ١/ ٢٢٠.
والذي ورد في كتب السِّيَر عن رؤيا رسول الله - ﷺ -: أنه رأى في منامه كأنه في دِرْعٍ حَصِينة، ورأى كأن سيفه ذا الفقار انفصم من عند ظُبَتِه، ورأى بقرا تُذبح، ورأى كأنه مردفٌ كَبْشًا. فأولَّ النبي - ﷺ - الدرعَ الحصينة بالمدينة، وأما انفصام سيفه من عند ظُبَته: فمصيبة في نفسه؛ بأن يُقتل رجلٌ من أهل بيته، وأما البقر المذبوح: فقتلى في أصحابه، وأما أنه مُرْدف كَبشا: فكبش كتيبة العدو الذي سيقتلونه، أي: حامل لواء المشركين. وفي رواية عن الواقدي: (ورأيت في سيفي فَلًّا فكرهته)، فهو الذي أصاب وجهه الشريف - ﷺ -.
انظر: "المغازي" ١/ ٢٠٩، و"سيرة ابن هشام" ٣/ ٦٦ - ٦٧، و"طبقات ابن سعد" ٢/ ٣٧ - ٣٨، و"تاريخ الطبري" ٢/ ٥٠٢، و"إمتاع الأسماع" للمقريزي ١/ ١١٦.
(٥) انظر: "المغازي" ١/ ٢٢٦ - ٢٢٨، و"الطبقات الكبرى" ٢/ ٤٠ - ٤١، و"تفسير ابن أبي حاتم" ٣/ ٧٨٧.
(٦) وقد يتعدى للثاني بالحرف، تقول: (صَدَقتك في القول).
قوله تعالى: إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ.
قال اللَيْثُ (١): الحَسُّ: القَتْلُ الذَرِيع. قال: و تَحُسُّونَهُمْ، أي: تقتلونهم قَتْلًا شديدًا كثيرًا.
وروى الحَرَّانيُّ (٢) عن ابن السِّكِّيت (٣): الحَسُّ: مصدرُ (حَسَسْتُ القومَ، أَحُسُّهُمْ، حَسًّا): إذا قتلتهم.
وقال أبو عبيدة (٤)، والزَّجَّاجُ (٥)، وابنُ قُتَيْبَة (٦): الحَسُّ: الاستئصال بالقتل؛ يقال: (جَرَادٌ مَحْسُوسٌ): إذا قَتَلَه البَرْدُ. و (سَنَةٌ حَسُوسٌ): إذا أتَتْ على كلِّ شيء (٧) ومعنى تَحُسُّونَهُمْ: تستأصلونهم قَتْلًا (٨).
وقال أصحاب الاشتقاق: (حَسَّهُ، يَحُسُّهُ): إذا قَتَلَه؛ لأنه أبطل حِسَّهُ بالقتل، وأصابَهُ (٩)؛ كما يقال: (بَطَنَهُ): إذا أصاب بَطْنَهُ (١٠)، و (رَأَسَهُ): إذا
(٢) هو: أبو شعيب، عبد الله بن الحسن الحَرّاني. تقدمت ترجمته.
(٣) في "تهذيب اللغة" ١/ ٨١٦ (حسس). وانظر قول ابن السكيت في "إصلاح المنطق" ٢٦.
(٤) في "مجاز القرآن" ١/ ١٠٤.
(٥) في "معاني القرآن" ٤٧٨.
(٦) في "تفسير غريب القرآن" له ١١٣.
(٧) هذا قول ابن قتيبة المصدر السابق، تصرف فيه المؤلف بالتقديم والتأخير.
(٨) انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ١٢٧، "نزهة القلوب"، للسجستاني ١٥٥، و"الموضع في تفسير القرآن" للحدادي ٣٩.
(٩) انظر: "مقاييس اللغة" ٢/ ٩ (حسس)، و"النكت والعيون" ١/ ٤٢٩، و"تفسير القرطبي" ٤/ ٢٣٥.
(١٠) (إذا أصاب بطنه): ساقط من (ج).
أصاب رَأسَهُ (١). والتَّحَسُّسُ: طَلَبُ الأخبار بحَاسَّةِ السَمْعِ (٢).
وقوله تعالى: بِإِذْنِهِ أي: بِعِلْمِهِ (٣)
قال المفسرون (٤): كان المسلمون يوم أُحُد، يقتلون المشركين قتلا ذريعًا حتى وَلَّوْا هاربين، وانكشفوا منهزمين؛ فذلك قوله: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ.
ثم أَخَلَّ الرُّمَاةُ (٥) بالمكان الذي ألزمهم رسولُ الله - ﷺ - إيَّاهُ، فَحَمَلَ -حينئذ- خالدُ بنُ الوَلِيد (٦)، مِن وَرَاء المسلمين، وتَرَاجَعَ المشركون، وقُتِلَ
و (رَأسَه، يرْأسَه، رَأسًا): أصاب رأسه. انظر: "اللسان" ٣/ ١٥٣٣ (رأس).
(٢) انظر: "الزاهر" ١/ ٤٧٣.
(٣) هذا قول الزجاج في "معاني القرآن" ١/ ٤٧٨.
وقيل: بأمره وحكمة وقضائه. وهو قول ابن عباس، والطبري، وأبو سليمان الدمشقي، وأبو الليث.
انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ١٢٧، و"بحر العلوم" ١/ ٣٠٨، و"زاد المسير" ١/ ٤٧٦، و"تفسير القرطبي" ٤/ ٢٣٥.
وقيل: بلطفه، وقيل: بمعونته، وقيل: بصدق وعده. وهذه الأقوال الثلاثة ذكرها الماوردي في: "النكت والعيون" ٢/ ٩٠٦.
(٤) انظر: "تفسير البغوي" ٢/ ١١٨، و"تفسير الثعلبي" ٣/ ١٣١ ب، و"تفسير ابن كثير" ١/ ٤٤٤.
(٥) في (ب): (أجل الزمان).
(٦) هو: أبو سليمان، خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي. سماه الرسول - ﷺ -: (سيف الله)، كان أحد أشراف قريش في الجاهلية، وقائد خيلهم، وشهد مع الكفار حروبهم ضد المسلمين إلى عمرة الحديبية، وأسلم سنة سبع بعد خيبر، وقيل: قبلها. وهو من أشهر قادة الجيوشَ عند المسلمين. توفي سنة (٢١ هـ). انظر: "الاستيعاب" ٢/ ١١، و"الإصابة" ١/ ٤١٣.
مِن المسلمين سبعونَ رجلًا، ثم هُزِمُوا (١).
وقوله تعالى: حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ أي: جَبنْتُم عن عَدُوِّكم (٢).
قال الليث (٣): يقال: (فَشِلَ الرَّجُلُ، يَفْشَلُ) - عند الحَرْبِ والشِّدَّةِ: إذا ضَعُفَ، وذهبَتْ قُوَاهُ (٤). ويقال: (إنه لفَشْلٌ)، و (فَشِلٌ) (٥).
واختلفوا في جواب حَتَّى إِذَا (٦):
فقال الفراء (٧): جوابه: وَتَنَازَعْتُمْ، والواو فيه مُقْحَمَةٌ، معناها السقوط؛ كما قال: فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ (٨)؛ المعنى: نَادَيْنَاه. واحتج بقول الشاعر:
| حَتَّى إذا قَمِلَتْ بُطُونُكُمُ | ورَأَيْتُمُ أبْنَاءَكُمْ شَبُّوا |
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٤٧٨، و"تفسير الطبري" ٤/ ١٢٨، و"تفسير ابن أبي حاتم" ٣/ ٧٨٦.
(٣) قوله في: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧٩٢ (فشل). نقله عنه بتصرف يسير.
(٤) في (ب)، (ج): (قوته).
(٥) (فشل): ساقطة من (ج).
وفي "التهذيب" ويقال: (وإنه لَخَشْلٌ فَشْل، وإنه لَخَشلٌ فَشِلٌ).
والفَشِلُ: الرجل الضعيف الجبان، وجمعه: أفشال. يقال: فَشِلَ فَشلا. أما الخَشل والخَشلُ: فهو -هنا-: الرديء من كل شيء. والله أعلم. انظر: "الصحاح" ٤/ ١٦٨٥ (خشل)، و"اللسان" ٦/ ٣٤١٨ (فشل)، ٢/ ١١٦٧ (خشل).
(٦) (إذا): ساقطة من (ج).
(٧) في "معاني القرآن" له ١/ ٢٣٨. نقله عنه باختصار، وتصرف.
(٨) سورة الصافات: ١٠٣، ١٠٤. وبقيتها: وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ. آية: ١٠٤.
| وقلبتمُ ظَهْرَ المِجَنِّ لَنَا | إنَّ اللَّئِيمَ العاجِزُ الخَبُّ (١) |
وعند البصريين: لا يجوز زيادةُ الواو. ويتأولون هذه الآيةَ وأمثالَها،
وأورد البكريُّ في "معجم ما استعجم" ٢/ ٣٧٩ البيت الأول ضمن أبيات نسبها للأسود قالها في هجاء بني نَجيح من بني مجاشع بن دارم.
وقد أورَدتْهما المصادر التالية، بدون نسبة "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٥١، و"تأويل مشكل القرآن" ٢٥٤، وكتاب "المعاني الكبير" ١/ ٥٣٣، و"المقتضب" ٢/ ٨١، و"مجالس ثعلب" ١/ ٥٩، و"شرح القصائد السبع" لابن الأنباري ٥٥، و"تهذيب اللغة" ٣/ ٣٠٤٧ (قمل)، ١/ ٨٤ (باب الواوات)، و"سر صناعة الإعراب" ٢/ ٦٤٦، ٦٤٧، و"أمالي ابن الشجري" ٢/ ١٢١، و"الإنصاف" للأنباري ص ٣٦٧، ٣٦٨، و"شرح المفصل" ٨/ ٩٤، و"رصف المباني" ٤٨٧، و"لسان العرب" ٦/ ٣٧٤٢ (قمل)، و"الجنى الداني" ١٦٥، و"تذكرة النحاة" ٤٥، و"خزانة الأدب" ١١/ ٤٤، ٤٥.
ورد في: "شرح القصائد السبع" (وقلبتم بطن المجن). وورد في بعض المصادر: (إن الغَدُورَ الفاحشُ الخب)، وفي بعضها: (إن اللئيم الفاجر)، وفي "سر صناعة الإعراب" (حتى إذا امتلأت بطونكم).
قَمِلَت: من (قَمِلَ القومُ): كثروا، و (قَمِل الرجلُ): سَمِنَ بعد هُزَال. ويريد -هنا-: كثرت قبائلكم.
والمِجَنُّ: التُّرْس. وقوله: (وقلبتم ظهر المجن): كناية عن إسقاط الحياء والتنكر للمعروف، وإبداء العداوة
والخِبُّ -بفتح الخاء وكسرها-: الخدّاع الذي يسعى بين الناس بالفساد. أما بكسر الخاء فقط - (الخِبُّ) -، فهو: الغَدْر.
والشاهد فيه عنده: أن الواو في (قلبتم) زائدة، وحقها أن تسقط. و (قلبتم): جواب (إذا).
على حذف الجواب، والتقدير عندهم: (حتى إذا فَشِلْتُمْ، وتَنَازَعْتُم في الأمر، وعَصَيْتُم، امْتُحِنْتُمْ (١)؛ بأن نِيلَ منكم، وعُوقِبْتُم بِظَفَرِ أعدائكم بكم)، فحذف الجواب؛ لبيان (٢) معناه؛ كما حذف في قوله -عز وجل-: فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ [الأنعام: ٣٥]؛ معناه: فافْعَلْ. فأسقط الجواب؛ إذْ أُمِنَ (٣) اللَّبْسُ (٤).
والآية -عند الفراء- على التقديم والتأخير؛ لأنه يذهب إلى أن الفَشَلَ مُؤَخَّرٌ بعد التَّنازُع؛ والمعنى عنده: (حتى إذا تنازعتم في الأمر وعَصَيْتُم؛ فَشِلتم). فقدم المؤخر وأخر المقدم؛ كقوله: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ (٥).
وغيره يقول: الفَشَل في موضعه، غَيْرُ مَنْوِيٍّ به التأخير. والتنازع والعصيان كانا بعد الفَشَلِ (٦).
والتنازع (٧): الاختلاف. وأصله مِنْ: (نَزَعَ القومُ الشيءَ، بعضُهُم مِن
(٢) (لبيان): ساقطة من (ج).
(٣) (أ)، (ب): (أمَرَّ). والمثبت من (ج).
(٤) وقد بينَّا مذهبي البصريين، والكوفيين في زيادة الواو من عدمه، مع ذكر طرف من أدلة الفريقين على ذلك. انظر التعليق على تفسير قوله تعالى: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ آية: ٥٠ من سورة آل عمران. والتعليق على زيادة الواو في قوله تعالى: وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ آية: ٤٩، والتعليق على زيادة (إذ) في قوله: إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ آية: ٣٥.
(٥) سورة آل عمران: ٥٥.
(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٤٧٨، و"تفسير الطبري" ٤/ ١٢٨ - ١٢٩.
(٧) من قوله: (والتنازع..) إلى (.. من بعض): نقله بنصه عن "تفسير الثعلبي" ٣/ ١٣١ ب.
بَعْضٍ). وسنذكر شرحه عند قوله: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ [النساء: ٥٩]، إن شاء الله.
وكان اختلاف القوم (١): أن المشركين لَمَّا انكشفوا؛ قال بعضُ الرُّمَاةِ: ما مُقَامُنا هاهنا، قد انْهَزَمَ القومَ. وقال بعضُهم: لا نُجَاوِزُ أمْرَ رَسُولِ الله - ﷺ - (٢).
وقوله تعالى: وَعَصَيْتُمْ. أي (٣): بِتَرْكِ المَرْكَزِ (٤).
وقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ يعني: الظَّفَرَ والنَّصْرَ والفَتْحَ، حين كان الدَّبْرَةُ (٥) على المشركين (٦).
وقوله تعالى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا يعني (٧): الذين تَرَكُوا المَرْكَزَ، وأقْبَلُوا إلى النَّهْبِ.
(٢) انظر: "صحيح البخاري" (٤٠٤٣) كتاب المغازي. باب غزوة أحد، و"سنن أبي داود" رقم (٢٦٦٢)، و"تفسير النسائي" ١/ ٣٣٤، و"مسند الطيالسي" ٢/ ٩٥ - ٩٦ رقم (٧٦١)، و"الطبقات الكبرى" ٢/ ٤١، و"تفسير الطبري" ٤/ ١٢٨ - ١٢٩، و"تاريخه" ٢/ ٥٠٧، و"إمتاع الأسماع" ١/ ١٢٧، و"البداية والنهاية" ٤/ ٢٦.
(٣) من قوله: (أي..) إلى (.. تحبون) ساقط من (ج).
(٤) يعني ترك الرماة لموقعهم الذي عينه لهم رسول الله - ﷺ - وأمرهم ألّا يبرحوه انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ١٢٨ - ١٢٩.
(٥) الدَّبْرَةُ -بفتح الدال-: الهزيمة في القتال. أما الدِّبرة -بكسر الدال-: فهي خلاف القبلة. انظر: "القاموس" ص ٣٩٠ (دبر).
(٦) وهذا قول عامة المفسرين، منهم: ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والسدي، وابن إسحاق.
انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ١٢٨ - ١٢٩، و"تفسير ابن أبي حاتم" ٣/ ٧٨٨.
(٧) من قوله: (يعني..) إلى (.. بالهزيمة) بنصه في: "تفسير الثعلبي" ٣/ ١٣٢ أ.
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ يعني: الذين ثَبَتُوا مَعَ عبد الله بن جُبَيْر -وهو أمير الرُّمَاةِ (١) - حتى قُتِلُوا.
وقوله تعالى: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ [أي] (٢): بالهزيمة؛ على معنى: صَرَفَ وجوهَكُم عنهم (٣).
وقال عَطَاء (٤): يريد: صرف حدكم (٥) عنهم. وهذا صريح في أن [المعصيةَ مَخْلُوقَةٌ لله] (٦) عز وجل؛ حيث أضاف انهزامهم وتَوَلِّيهم إلى نفسه؛ فقال: صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ، ولم يقل: (انْصَرَفْتُمْ) (٧).
وقوله تعالى: لِيَبْتَلِيَكُمْ. أي: لِيَخْتَبِرَكُمْ بِمَا جَعَلَ عليكم مِنَ الدَّبْرَةِ والهزيمةِ، فَيَتَبَيَّنَ الصابرُ (٨) مِنَ الجازع، والمُخْلِصُ مِنَ المنافق (٩).
وعبد الله بن جُبَيْر بن النعمان الأوسي الأنصاري. شهد العقبة وبدرًا، واستشهد يوم أحد -رضي الله عنه- انظر: "الاستيعاب" ٣/ ١٤، و"أسد الغابة" ٣/ ١٩٤.
(٢) ما بين المعقوفين في (أ): (إلى). والمثبت من: (ب)، (ج)، و"تفسير الثعلبي".
(٣) في (ج): (وههم).
(٤) لم أقف على مصدر قوله.
(٥) هكذا في: (أ)، (ب)، (ج).
ومعناها -والله أعلم-: صرف بأسكم وقوتكم عنهم، لأن (حَدّ الرَّجُلِ): بأسه ونفاذُهُ. في نجدته. يقال: (إنه لذو حَدٍّ). انظر: "اللسان" ٢/ ٨٠١ (حدد).
(٦) ما بين المعقوفين مطموس في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).
(٧) انظر تأويل المعتزلة لها في: "تنزيه القرآن عن المطاعن" ٨٢.
(٨) (أ)، (ب): (الصابرين). والمثبت من (ج).
(٩) في (ب): (الشاك).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي