وقوله : ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَائفَةً مِّنْكُمْ...
تقرأ بالتاء فتكون للأمنة ؛ وبالياء فيكون للنعاس، مثل قوله يَغْلِى في البُطون وتغلى، إذا كانت ( تغلى ) فهي الشجرة، وإذا كانت ( يغلِى ) فهو للمُهْل.
وقوله : يَغْشَى طَائفَةً مِّنْكُمْ وَطَائفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ترفع الطائفة بقوله ( أهمتهم ) بما رجع من ذكرها، وإن شئت رفعتها بقوله يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ولو كانت نصبا لكان صوابا ؛ مثل قوله في الأعراف : فَرِيقاً هَدَى وفَرِيقاً حَقّ عَلَيْهِم الضَّلاَلَةُ .
وإذا رأيت اسما في أوّله كلام وفي آخره فعل قد وقع على راجع ذِكره جاز في الاسم الرفع والنصب. فمن ذلك قوله : والسماء بَنَيْناها بِأَيْدٍ وقوله : والأرضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُون يكون نصبا ورفعا. فمن نصب جعل الواو كأنها ظرف للفعل متصلة بالفعل، ومن رفع جعل الواو للاسم، ورفعه بعائد ذكرِه ؛ كما قال الشاعر :
| إن لَمَ اشفِ النفوسَ من حىِّ بَكْرٍ | وعدِىٌّ تطَاهُ جُرْبُ الجمال |
| إذا ابنَ أبِى موسى بِلالاً أتيته | فقام بفأسٍ بين وُِصْلَيْكَ جازِر |
وأما قوله : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهما فوجه الكلام فيه الرفع ؛ لأنه غير موَقَّت فرفع كما يرفع الجزاء، كقولك : من سرق فاقطعوا يده. وكذلك قوله والشعراء يَتَّبِعُهُم الغاوون معناه والله أعلم من ( قال الشعر ) اتبعه الغاوون. ولو نصبت قوله ( والسارقَ والسارقَة ) بالفعل كان صوابا.
وقوله وكلَّ إنسانٍ ألزمناه طائرَهُ في عُنُقه العرب في ( كل ) تختار الرفع، وقع الفعل على راجع الذكرِ أو لم يقع. وسمعت العرب تقول ( وكُلُّ شيء أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ ) بالرفع وقد رجع ذكره. وأنشدوني فيما لم يقع الفعلُ على راجع ذكرِه :
| فقالوا تَعَرّفْها المنازِلَ مِن مِنىً | وما كلُّ من يَغْشَى مِنىً أنا عارِفُ |
| ألِفْنا دِيارا لم تكن مِن ديارِنا | ومن يُتَأَلّفْ بالكرامَةِ يَأْلَفُ |
| قد عَلِقَت أمُّ الخِيارِ تدّعِى | على ذنبا كلُّه لم أَصنعِ |
وقوله : قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ فمن رفع جعل ( كل ) اسما فرفعه باللام في لِلّه كقوله ويومَ القيامة تَرَى الذِين كَذَبُوا على اللهِ وجوههم مسودّة ومن نصب ( كله ) جعله من نعت الأمر.
معاني القرآن
أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي الفراء