ثم أنزل عليكم يا معشر المسلمين من بعد الغم يعني اطمئنانا في قلوب وسكينة يدركه الصوفي عند نزول الرحمة نعاسا بدل اشتمال من أمنة، وجاز أن يكون مفعولا لأنزل وأمنة حال منه مقدم عليه، ولعل النعاس هاهنا عبارة عن استغراق يحصل للصوفي عند نزول الرحمة بحيث يغفل عما سواه لكمال مشابهته بالنعاس يغشى قرأ حمزة والكسائي بالتاء ردا إلى الأمنة والباقون بالياء ردا إلى النعاس طائفة منكم وهم المؤمنون حقا، روى البخاري وغيره عن أنس أن أبا طلحة قال : غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، قال : فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه، وقال ثابت عن أنس عن أبي طلحة قال : رفعت رأسي يوم أحد فجعلت ما أرى أحدا من القوم إلا وهو يميل تحت جحفته من النعاس وطائفة مبتدأ وهم المنافقون قد أهمّتهم أنفسهم صفة لطائفة يعني ألقتهم أنفسهم في الهموم وكانوا محرومين عن نزول الأمنة والسكينة عليهم، أو المعنى ما كان همهم الإخلاص أنفسهم يظنون خبر لطائفة بالله غير الحق منصوب على المصدرية، أي يظنون غير الظن الحق أي الذي يحق أن يظن به تعالى، يعني أنه لا ينصر محمد صلى الله عليه وسلم أو أنه لو كان محمد نبيا ما قتل ظن الجاهلية بدل من غير الحق أو منصوب بنزع الخافض يعني كظن أهل الجاهلية والشرك، والجملة صفة أخرى لطائفة أو حال أو استئناف على وجه البيان لما قبله، وجملة وطائفة الخ حال من فاعل يغشى أو من مفعوله يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو في أنفسهم بدل من يظنون هل لنا استفهام بمعنى الإنكار من الأمر الذي وعد الله من النصر من شيء يعني ما لنا من ما وعد نصيب قط، قيل : أخبر ابن أبيّ بقتل بني الخزرج فقال ذلك، والمعنى إنا منعنا تدبير أنفسنا وتصريفها باختيارنا فلم يبق لنا من الأمر شيء، أو هل يزول عنا هذا القهر فيكون لنا من الأمر شيء. أخرج ابن راهويه أنه قال عبد الله بن الزبير عن أبيه الزبير بن العوام : لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد علينا الخوف أرسل الله علينا النوم فما منا أحد إلا وذقته في صدره، والله إني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني ما أسمعه إلا كالحلم يقول : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا فحفظتها فأنزل الله في ذلك ثم أنزل الله عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا إلى قوله والله عليم بذات الصدور قل يا محمد إن الأمر أي الحكم كله لله يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، أو أمر الغلبة الحقيقية لله وأوليائه فإن حزب الله هم الغالبون وإن كان في بعض الأحيان لم يظهر ذلك لحكمة، قرأ أبو عمر وكله بالرفع على الابتداء وما بعده خبره والباقون بالنصب على التأكيد، والجملة معترضة يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك حال من ضمير يقولون أي يقولون مظهرين أنهم مسترشدون طالبون للنصر ويقولون مخفين بعضهم إلى بعض غير ذلك يقولون بدل من يخفون أو استئناف على وجه البيان يعني يقولون مخفين منكرين لقولك إن الأمر كله لله لو كان لنا من الأمر شيء كما وعد محمد صلى الله عليه وسلم أو زعم أن الأمر لله ولأوليائه، أو لو كان لنا اختيار وتدبير لم نبرح المدينة كما كان يقول ابن أبي وغيره ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل في اللوح المحفوظ وقدّر الله عليهم القتل إلى مضاجعهم أي يخرجون إلى مصارعهم ولم ينفعهم الإقامة بالمدينة بل لا يستطيعون الإقامة وليبتلي الله ما في صدوركم أي ليمتحن ما في صدوركم ويظهر سرائرها من الإخلاص والنفاق ومعطوف على محذوف متعلق بقوله برز تقديره لبرزوا إلى مضاجعهم لنفاذ القضاء ولمصالح كثيرة وللابتلاء، أو متعلق بفعل محذوف والجملة معطوفة على جملة سابقة يعني ثم أنزل عليكم تقديره وفعل ذلك ليبتلي أو معطوف على قوله كيلا تحزنوا وليمحص أي ليكشف ويميز ما في قلوبكم أو المعنى يخلص ما في قلوبكم أيها المؤمنون من الوساوس والله عليم بذات الصدور قبل إظهارها وغنى عن الابتلاء وإنما فعل ذلك لتمرين المؤمنين وإظهار حال المنافقين وإقامة الحجة عليهم.
التفسير المظهري
المظهري