والآخر بالكافرين. فقال: أنالوكم مثل ما أنلتموهم، تنبيهاً
على معنى قوله: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)
وقوله: (وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) أي عالم به يخبركم به، تنبيهاً
على ما قال: (ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).
قوله تعالى: (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)
قرئ (تغشى) ردًّا على لفظ (أمنة)، و (يَغشى) إلى لفظ (نُعاسًا).
وقُرئ (كُلَّهُ) على الابتداء، و (كُلُّهُ) على التأكيد، وقيل: السبب في
نزولها أن يوم أحد تواعد المشركون بالرجوع، وكان المسلمون
متهيئين للقتال، فأنزل الله تعالى على المؤمنين أَمَنَةً فنام بعضهم.
ونفى عن المنافقين الأمنة، فسهروا منزعجين، فمن حمل
النوم على الحقيقة قال: جعل ذلك رأفةً بهم،
وتخصيص النعاس تنبيه على صيانتهم من الحالة المذمومة من
الامتلاء من النوم، ومنهم من جعله استعاوة لطمأنينة جأشهم.
وزوال خوفهم، وذلك لما ترى من حال المطمئن، ويوصف
المغموم بالسهر، ومنهم من تجاوز ذلك، وقال: إنّه لمّا ذكر في
الأول قوله: (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ)
بيّن هاهنا أنه تعالى هذَّب طائفة من المؤمنين، حتى صارت نفوسهم آمنة مطمئنة تحت قضاء الله، وهذه حالة الرضى، فقد قيل: الرضى أن يكون العبد ساكنا تحت قضاء الله، مطمئناً عند كل وارد سَرَّ أم ساء، وهذه الحال ادعاها الشاعر صادقاً أو كاذباً في قوله:
فسرَّ ولم ابتهج... وساء ولم أشتكي
وقوله تعالى: (وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) تنبيه على
خبث أنفسهم، وأنها أمارة بالسوء، وذاك أن المنافق شرير.
والشرير لم تتهذب نفسه وأحواله من الغضب والشهوة والحرص
وسائر الرذائل، وكأن ما معه عدو يؤذيه، ولهذا لا يمكنه أن يخلو
بنفسه، لأنه لا يجد شاغلًا له، وكأنه خُلِّيَ مع أُسود وأساود.
وقوله: (يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ) تنبيه على جهلهم وعدم معرفتهم
بحكمة الله ونعمته في قهر الكفار للمسلمين في بعض الأحوال.
وأنها نعمة. وظنهم غير الحق: ظنُّهم أن النبي - ﷺ - لم يصدقهم، ويأسهم من نصرة الله تعالى.
وقوله: (ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ) أي ظن
الكفار، أن هؤلاء المنافقين بعدُ في حيّز الكفار، وفي قِلَّةِ
معرفتهم الله بحكمة الله تعالى، وأنهم لا يعرفون الخير والنعمة
إلا المال والجاه والغلبة الدنيوية، فإذا فاتهم ذلك ساء ظنهم.
وقوله: (يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ):
هل لنا طمع الغلبة، تنبيها أنهم استشعروا اليأس الذي يستشعره القوم
الكافرون، فأكذبهم الله تعالى، فقال: (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ)
أي الغلبة الحقيقة له ولأوليائه، فإن حزب الله هم الغالبون.
وقيل: عنى بالأمر الاستئمار، أي لو شُووِرنا لأشرنا بترك هذا
المورد، فقال الله تعالى: (الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) أي هو أعرف بالتدبير.
وقوله: (يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا)
معناه لولا أنا أكرهنا لما خرجنا، وفصل بين الحكايتين
عنهم، أعني (هَل لنا) وقوله: (يَقُوُلون) بجملتين:
إحداهما: جواب لهم، وهي قوله: (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ).
والثانية: تنبيه على ما في ضمائرهم، وهي قوله: (يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ).
ولمّا فصل بينهما أُعيد في الحكاية عنهم لفظ (يَقُولُونَ) لئلا تشتبه
الحكاية عنهم بما هو إخبار منه تعالى،
وقال بعض المعتزلة: عنى بقوله: (يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ)
أنه كقوله: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) وهذا إن كان
كما قاله هذا القائل، فقوله: (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) تصديق لهم.
وقوله: (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ)
تكذيب لهم، وأنه محالٌ - أن لا يُقتلوأ مع أن قتلهم بذلك المكان
جارٍ في قضائه وتقديره، وقد حُمِلَ ذلك على وجهين: إما أنّ من
فدر له القتل لو لم يخرج لأتاه القتل، وهو في مضجعه في داره،
والثاني: أنه لو كنتم أيها المؤمنون قعدتم في بيوتكم، ولم تخرجوا
للمحاربة لخرج من قُدِّر له القتل بسبب خفي إلى مضاجعهم في
الحرب أي مصارعهم فيُقتلون، تنبيهًا أن قضاء الله وتقديره
وعلمه لا يتغير، وأنه لا ينفع حذر من قدر، وإلى هذا أشار
الشاعر بقوله:
إذا ما حمام المرء كان ببلدة... دعته إليها حاجةٌ فيطيرُ
وقال الأصمّ معناه: لو كنتم أيها المنافقون في بيوتكم، ولم
تخرجوا لبرز المسلمون الذين كتب عليهم أي أوجب أن يقاتلوا
محتسبين، ويكون هذا ثناء من الله تعالى على من استُشهد.
إن قيل: ما حقيقة الابتلاء والفصل بينه وبين المحص؟
قيل: الابتلاء في الأصل هو الاختبار، الذي يفصل به بين الخير والشر
فهو اسم الفعل مبدأ ونهاية، فمبدؤه الاختبار، ونهايته الفصل بين
الخير والشر إذا استُعمل في الله تعالى، فإنّه يُراد به النهاية دون
المبدأ، الذي هو التوصل إلى الفصل.
وأما التمحيص فإزالة ما قد انفصل من الخير عن الشرّ.
وكان المقصود به ما ذكره الله تعالى في قوله: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ).
إن قيل: على ماذا عطف قوله: (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ)؟ ولمَ كرّر الابتلاء بعد أن ذكره في قوله: (لِيَبْتَلِيَكُمْ؟ ولمَ علّق الأول بالذات كلها، والثاني
بما في الصدور؟ وما الفرق بين قوله: ما في الصدور، وبين قوله:
ما في القلوب، وخصّ ما في القلوب بالتمحيص؟
قيل: أما ما عطف الابتلاء فعلى قوله: (لِكَيْلَا تَحْزَنُوا)، وفصل
بينهما بما هو تسديد الكلام وإشباع للمعنى، وهذا جائز، وقد
تقدم الكلام في نحوه، ويجوز أن يتعلق بمضمرٍ دلَّ عليه ما
تقدم من قوله: (الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ)، وأما تكريره
وتعليق الأول بالذات والثاني بما في الصدور، فإن لله تعالى
تكليفين: الأحكام والمكارم كما تقدم، والأحكام قبل المكارم.
وجُلُها متعلِّق بالضمائر، وعملُ الجوارح فيها قليل، فحيث
ما أراد منهم الحكم وهو الثبات في الحرب والجد بالجوارح، علّق
الابتلاء بالجملة، وحيث ما قصد المكارم من إصلاح الضمير.
من نقض الحزن ورفض الذعر ذكر الصدر، وحينما ذكر الإِيمان
المحض ذكر القلب، وكل موضعٍ يذكر الله في القرآن العقل.
والإيمان، فإنه يخصُّ ذكر القلب، وإذا أراد ذلك وسائر
الفضائل والرذائل ذكر الصدور، وهذا إذا اعتُبر بالاستقراء
انكشف، نحو قوله: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ).
وقوله: (فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)، وقوله: (أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُم).
وقوله: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ).
وقوله: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ).
وقوله: (فِي صُدُورِ النَّاسِ)، ولما كان التمحيص أخصَّ من الابتلاء
كما تقدم خصَّه بالقلب، وهذه الأحوال الثلاث يترتب بعضها
على بعض، فبإصلاح العمل يُتوصل إلى إصلاح ما في الصدور
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار