التكاسل فان المرء لا يصل الى حيث يسقط عنه الأمر والنهى والغرض هو العبادة الى ان يأتى اليقين فالشبان والشيوخ فى باب التكليف متساوون وربما يتدارك فى الشيخوخة ما لا يتدارك فى الشباب: قال الحافظ الشيرازي
اى دل شباب رفت ونچيدى كلى ز عمر
پيرانه سر بكن هنرى ننك ونام را
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ نصب على انه مفعول ثان لصدق صريحا او بنزع الجار اى فى وعده. نزلت حين قال ناس من المؤمنين عند رجوعهم الى المدينة من اين أصابنا هذا وقد وعدنا الله بالنصر وهو ما وعدهم على لسان نبيه ﷺ من النصر حيث قال للرماة لا تبرحوا مكانكم فانا لا نزال غالبين ما دمتم فى هذا المكان وقد كان كذلك فان المشركين لما اقبلوا جعل الرماة يرشقون نبلهم والباقون يضربون بالسيوف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم يقتلونهم قتلا ذريعا وذلك قوله تعالى إِذْ تَحُسُّونَهُمْ اى تقتلونهم قتلا كثيرا فاشيا من حسه إذا أبطل حسه وذلك يكون بالقتل وهو ظرف لصدقكم بِإِذْنِهِ ملتبسين بمشيئته وتيسيره وتوفيقه حال من فاعل تحسونهم حَتَّى ابتدائية داخلة على الجملة الشرطية إِذا فَشِلْتُمْ اى جبنتم وضعف رأيكم او ملتم الى الغنيمة فان الحرص من ضعف القلب وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ اى فى امر الرسول ﷺ فقال بعض الرماة حين انهزم المشركون وولوا هاربين والمسلمون على أعقابهم قتلا وضربا فما موقفنا هذا وقال رئيسهم عبد الله بن جبير لا نخالف امر الرسول عليه الصلاة والسلام فثبت مكانه فى نفر دون العشرة من أصحابه ونفر الباقون للنهب وذلك قوله تعالى وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ اى من الظفر والغنيمة وانهزام العدو فلما رأى المشركون ذلك حملوا عليهم من قبل الشعب وقتلوا امير الرماة ومن معه من أصحابه وقد سبق وقيد العصيان بما بعده تنبيها على عظم المعصية لانهم لما شاهدوا ان الله تعالى أكرمهم بانجاز الوعد كان من حقهم ان يمتنعوا عن المعصية وجواب إذا محذوف وهو منعكم نصره مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وهم الذي تركوا المركز واقبلوا على النهب قال ابن مسعود رضى الله عنه ما علمت ان أحدا منا يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وهم الذي ثبتوا مكانهم حتى نالوا شرف الشهادة ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ عطف على الجواب المحذوف كما أشير اليه اى ردكم عن الكفار وكفكم بالهزيمة بعد ان أظفركم عليهم فحالت الريح دبورا بعد ما كانت صبا لِيَبْتَلِيَكُمْ اى يعاملكم معاملة من يمتحنكم ليظهر ثباتكم على الايمان عندها وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ تفضلا او لما علم من ندمكم على المخالفة وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ اى شأنه ان يتفضل عليهم بالعفو أو هو متفضل عليهم فى جميع الأحوال أديل لهم او أديل عليهم إذ الابتلاء ايضا رحمة بحسب اقتضاء أحوالهم ذلك إِذْ تُصْعِدُونَ متعلق بصرفكم. والإصعاد الذهاب والابعاد فى الأرض وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ اى لا تلتفتون الى ماوراءكم ولا يقف واحد منكم لواحد وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ كان ﷺ يدعوهم الىّ عباد الله انا رسول الله من يكرّ فله الجنة امرا
صفحة رقم 110
بالمعروف ونهيا عن المنكر وهو الانهزام وترك قتال الكفار لا استعانة بهم فِي أُخْراكُمْ فى ساقتكم وجماعتكم الاخرى والمعنى انه عليه السلام كان يدعوهم وهو واقف فى آخرهم لان القوم بسبب الهزيمة قد تقدموه فَأَثابَكُمْ عطف على صرفكم اى فجازاكم الله بما صنعتم غَمًّا موصولا بِغَمٍّ من الاغتمام بالقتل والجرح وظفر المشركين والإرجاف بقتل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم او عما بمقابلة غم أذقتموه رسول الله ﷺ بعصيانكم له لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ اى لتتمرنوا على الصبر فى الشدائد وتعتاد وأتجرع الغموم فلا تحزنوا على نفع فات او ضرّ آت وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ اى عالم بأعمالكم وبما قصدتم بها. واعلم ان الصبر واليقين والتوكل على الله والاتقاء عن ميل الدنيا وزخارفها ومخالفة الرسول مستلزم لامداد النصر والظفر والفشل والتنازع والميل الى الدنيا وعصيان رسول صلى الله تعالى عليه وسلم موجب للابتلاء والصرف عن العدو فمن أراد النصرة على الأعداء الظاهرة والباطنة لا يسلك طريقا غير ما عينه الشارع
ويرضى بالابتلاء ولا يغتم لآخرته بل يجد غم طلب الحق ألذ من نعيم الدنيا والآخرة ويصبر على مقاساة الشدائد فى باب الدين.
صبر آرد آرزو رانى شتاب
صبر كن والله اعلم بالصواب
قال ذو النون قدس سره العزيز ان أدنى منازل المريد أن الله تعالى لو ادخله النار وأحاط به عذابه مع هذه الارادة لم يزدد قلبه إلا حباله وأنسابه وشوقا اليه وكانت الجنة عنده أصغر فى جنب إرادته من خردلة بين السماء والأرض فعلى السالك ان يذيق نفسه مرارة الطاعة ويدخلها فى باب التسليم ليكون عند الله مماله قدر وسبق- حكى- عن على كرم الله وجهه انه قال قلت لخليفة رسول الله ﷺ ابى بكر الصديق رضى الله عنه يا خليفة رسول الله بم بلغت هذه المنزلة حتى سبقتنا سبقا فقال بخمسة أشياء. أولها وجدت الناس صنفين مريد الدنيا ومريد العقبى فكنت انا مريد المولى. والثاني مذ دخلت فى الإسلام ما شبعت من طعام الدنيا لان لذة معرفة الله شغلتنى عن لذائذ طعام الدنيا. والثالث مذ دخلت فى الإسلام ما رويت من شراب الدنيا لان محبة الله شغلتنى عن شراب الدنيا. والرابع كلما استقبلني عملان عمل الدنيا وعمل الآخرة اخترت عمل الآخرة على عمل الدنيا. والخامس صحبت النبي ﷺ فاحسنت صحبته أقول ولذلك لم ينفك عن ملازمة صحبته ساعة حتى دخل معه فى الغار وقاسى ما قاسى من الشدائد فى حقه صلى الله تعالى عليه وسلم ومع ذلك لم يزغ قلبه عن مواصلته قط ولم يهم بمخالفته أصلا كما وقع ذلك من بعض الصحابة كما فى المنهزمين
كيست دانى صوفئ صافى زرنگ تفرقه
آنكه دارد روبيك رنكى درين كاخ دو رنگ
نكسلد سر رشته سرش ز جانان گر بفرض
روبرو كيرد ز يك سو شير وديكر سو پلنگ
اوحى الله الى ابراهيم عليه السلام ان يا ابراهيم أنت خليلى وانا خليلك فانظر فى ان لا تشغل سرك بغيري وانا انظر فى سرك فأراه مشتغلا بغيري فتقطع خلتى منك لان الصادق فى دعوى خلتى من لو احرق بالنار لم يجعل سره الى غيرى إجلالا لحرمتى لان كل سر انفصل ساعة عن مشاهدتى لا يصلح لمحادثتى ونظرى ثم قال له اسلم قال أسلمت لرب العالمين ثم ابتلاه
صفحة رقم 111
حين رمى بالمنجنيق فى النار ولم يجزع على ما أصابه بل فوض امره الى الله حتى شرفه الله بالخلة وجعل النار له بردا وسلاما فحسن الرضى على ما جاء من عند الله يوصل العبد الى المقامات العلية والحالات السنية والعمدة هو التوحيد وبه تسهل قوة اليقين والوصول الى مقام الولاية.
وسئل يحيى بن معاذ عن صفة الولي فقال الصبر شعاره والشكر دثاره والقرآن معينه والحكمة علمه والتوكل صابونه والفقر منيته والتقوى مطيته والغربة ملازمته والحزن رفيقه والذكر جليسه والله تعالى انيسه
قوت روح أوليا ذكر حقست
پيشه ايشان شكر مطلقست
كر خبر دارى ز اسرار خدا
روبراه ذكر وطاعت حقيا
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ عطف على قوله فاثابكم وانزل مجاز اى اعطى ووهب لكم ايها المؤمنون مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ المذكور أَمَنَةً اى أمنا نصب على المفعولية نُعاساً بدل منها وهو الوسن. قال ابو طلحة رفعت رأسى يوم أحد فجعلت لا ارى أحدا من القوم الا وهو يميد تحت جحفته من النعاس وكنت ممن القى عليه النعاس يومئذ فكان السيف يسقط من يدى فآخذه ثم يسقط السوط فآخذه وفيه دلالة على ان من المؤمنين من لم يلق عليه النعاس كما ينبئ عنه قوله تعالى يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وهم المهاجرون وعامة الأنصار ولا يقدح ذلك فى عموم الانزال للكل والجملة فى محل النصب على انها صفة لنعاسا وَطائِفَةٌ مبتدأ وهم المنافقون قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ اى أوقعتهم فى الهموم والأحزان او ما بهم إلا همّ أنفسهم وقصد خلاصها يَظُنُّونَ بِاللَّهِ حال من ضمير أهمتهم غَيْرَ الْحَقِّ غير الظن الحق الذي يجب ان يظن به سبحانه ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ بدل منه وهو الظن المختص بالملة الجاهلية وأهلها يَقُولُونَ بدل من يظنون اى لرسول الله ﷺ على صورة الاسترشاد هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ اى من امر الله تعالى ووعده من النصر والظفر مِنْ شَيْءٍ من نصيب قط قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ اى الغلبة بالآخرة لله تعالى ولاوليائه فان حزب الله هم الغالبون يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ حال من ضمير يقولون اى مظهرين انهم مسترشدون طالبون للنصر مبطنين الإنكار والتكذيب يَقُولُونَ كأنه قيل أي شىء يخفون فقيل يحدثون أنفسهم او يقول بعضهم لبعض فيما بينهم خفية لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ كما وعد محمد ﷺ من ان الغلبة لله ولاوليائه وان الأمر كله لله ما قُتِلْنا هاهُنا ما غلبنا او ما قتل من قتل منا فى هذه المعركة على ان النفي راجع الى نفس القتل لا الى وقوعه فيها فقط او لو كان لنا اختيار فى الخروج وتدبير لم نبرح كما كان رأى ابن أبيّ وغيره قُلْ يا محمد تكذيبا لهم وابطالا لمعاملتهم لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ اى لو لم تخرجوا الى أحد وقعدتم بالمدينة كما تقولون لَبَرَزَ اى لخرج الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ اى فى اللوح المحفوظ بسبب من الأسباب الداعية الى البروز إِلى مَضاجِعِهِمْ الى مصارعهم التي قدره الله تعالى فيها وقتلوا هناك البتة ولم تنفع العزيمة على الاقامة بالمدينة قطعا فان قضاء الله لا يرد وحكمه لا يعقب وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ علة لفعل مقدر قبلها معطوفة على علل لها اخرى
صفحة رقم 112