قال الكلبيُّ (١)، ومقاتلُ (٢): عَفَا عنهم إذْ لَمْ يُقْتَلوا جميعًا، ولم يَسْتَأصِلْهم (٣).
وقيل (٤): عَفا عنهم؛ أي: غفر لهم تلك الخطيئة.
١٥٦ - قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا الآية
قال ابن عباس -في رواية عطاء (٥) -: يريد قومًا من المنافقين قالوا فيمن بعثه رسولُ الله - ﷺ -، مِنَ السَّرَايَا إلى بِئْرِ مَعُونَة (٦)، وإلى
(٢) في "تفسيره" ١/ ٣٠٩.
(٣) وممن قال بهذا القول: الحسن البصري، وسعيد بن جبير، وأبو الليث. انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" ٣/ ٧٩٧ - ٧٩٨، و"بحر العلوم" ١/ ٣١٠.
(٤) هذا قول الجمهور، ومنهم: عثمان بن عفان رضي الله عنه، وابن عمر -رضي الله عنهما-، وقتادة، والربيع، والطبري.
انظر: "صحيح البخاري" (٤٠٦٦) كتاب المغازي. باب: قول الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ، و"تفسير الطبري" ٤/ ١٤٤ - ١٤٦، و"بحر العلوم" ١/ ٣١٠، و"تفسير الثعلبي" ٣/ ١٣٥ أ، و"المحرر الوجيز" ٣/ ٢٨٧، و"تفسير القرطبي" ٤/ ٢٤٤ - ٣٤٥، و"البحر المحيط" ٣/ ٩١، و"مجمع الزوائد" ٩/ ٨٣ - ٨٤.
(٥) لم أقف على مصدر هذه الرواية.
(٦) بَعَث النبي - ﷺ -، سبعينَ رَجُلا؛ لِحاجَةٍ، يُقال لهم القُرَّاء، فَعَرَضَ لهم حَيَّانِ من بني سُلَيْمِ: رِعْلٌ وذَكْوانُ، عند بِئْر يُقال لها بئرُ مَعُونَةَ، فقال القوم: والله ما إيَّاكم أرَدْنَا، إنَّمَا نحنُ مُجْتازُون في حاجة للنبي - ﷺ -، فقَتَلُوهم، فَدَعَا النبي - ﷺ -، عليهم شهرا، في صلاة الغَدَاةِ).
"صحيح البخاري" (٤٠٨٨)، كتاب: المغازي. باب: غزوة الرجيع. وهذ إحدى الروايات التي أوردها البخاري حول هذه السَّرِية، وهناك روايات أخرى عنده. انظرها في الباب نفسه. =
الرَّجيع (١)، فأُصِيبوا: لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا.
وقال مجاهد (٢)، ومحمد بن إسحاق (٣): يعني بـ الَّذِينَ كَفَرُوا: جميعَ المنافقين.
وقوله تعالى:
وَقَالُواْ لِإِخوَانِهِم. أي: في النِّفَاق. وقيل: في النَّسَبِ (٤).
(١) بعث النبي - ﷺ -، سَرِيَّةً؛ عَيْنًا له، وقيل بعثهم استجابة لطلب عَضَل والقَارَة أن يبعث معهم من يُفَقِّههم في الإسلام ويقرؤهم القرآن، -وكان ذلك خدعة منهم، اتفقوا فيه مع بني لِحيان-، وأمَّرَ على السرِية عاصمَ بن ثابت، وقيل: مَرْثَد بن أبي مرثد الغَنَوِي، فخرجوا حتى إذا كانوا عند ماءٍ لهذيل، يقال له: الرَّجِيع، بناحية الحجاز، هجم عليهم بنو لِحيان، حيٌّ من هذيل، فاستل الصحابة سيوفهم، فقال لهم الأعداء: لكم العهد والميثاق ألا نقتل منكم رجلًا، فرفض عاصم، وقاتل حتى قتل، مع نَفَرٍ من أصحابه، وأسِرَ البقيَّةُ، وانطلق الأعداء بِخبَيْب بن عَدي، وزيد بن الدِّثِنَّةِ، وباعوهما بمكة، فقتلهما أهل مكة ثأرا لقتلاهم في بدر.
انظر تفصيل أخبار هذه السرِيَّة في: "صحيح البخاري" (٤٠٨٦). كتاب: المغازي، باب: غزوة الرجيع، و"المغازي" ١/ ٣٥٤، و"سيرة ابن هشام" ٣/ ١٦٠، و"الطبقات الكبرى" ٢/ ٥٥، و"تاريخ الطبري" ٢/ ٥٣٨.
(٢) الذي وقفت عليه عنه: قوله: (قول المنافق؛ عبد الله بن أبي بن سلول) "تفسير الطبري" ٤/ ١٤٦، و"تفسير ابن أبي حاتم" ٣/ ٧٩٩.
وقد أورده السيوطي في "الدر" ٢/ ١٥٨، إلا أن لفظه عنده: (هذا قول عبد الله بن أبي بن سلول، والمنافقين). ونسبه السيوطي إخراجه لهما، وزاد نسبته للفريابي، وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) قوله في: "سيرة ابن هشام" ٣/ ٦٩، و"تفسير الطبري" ٤/ ١٤٦، و"تفسير أبن أبي حاتم" ٣/ ٧٩٨.
(٤) ذكر القولِين: الثعلبي في: "تفسيره" ٣/ ١٣٥ ب، ولم يعزهما لقائل. ورجح ابن =
إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أي: ساروا وسافروا فيها. وكان (١) ينبغي في العَرَبِيَّةِ أنْ يُقَال: (وقالوا لإخوانهم إذْ (٢) ضَرَبُوا في الأرض)؛ لأنه ماضٍ، كما تقول: (ضربتك إذْ قُمْتَ)، ولا تقول (٣): (ضربتك إذا قُمْتَ). والذي في كتاب الله عَرَبِيٌّ حَسَنٌ، لأن القَوْلَ -وإن كان ماضيًا في اللفظ- فهو في معنى (٤) الاستقبال؛ لأن (الذين) يُذْهَبُ بها إلى معنى الجزاء، وكذلك: (مَنْ)، و (ما). فإذا وقع الماضي صِلَةً لِمُبْهَمٍ مِنْ (مَنْ) و (ما) و (الذين)، جازَ أنْ يكون بمعنى الاستقبال (٥).
فقوله (٦): كَالَّذِينَ كَفَرُوا، في معنى: يَكْفُرُونَ، فدخلت (إذا) لِمَعْنى الاستقبال؛ والتقدير: (لا تكونوا كالذين يكفرون (٧)، ويقولون لإخوانهم
(١) من قوله: (وكان..) إلى نهاية بيت الشعر: (.. ما كان في غد): نقله -بتصرف- عن "معاني القرآن"، للفراء ١/ ٢٤٣ - ٢٤٤، وأضاف إليه -مُلَفِّقا- بعضًا مِن كلام ابن الأنباري الذي أورده الأزهري في "التهذيب" ١/ ١٣٧ (إذ). وانظر: "الأضداد" لابن الأنباري ١٢١.
(٢) (أ)، (ب)، (ج): (إذا). وهي خطأ. والمثبت من "معاني القرآن". وهي الصواب.
(٣) (ضربتك إذ قمت ولا تقول): ساقطة من (ج).
(٤) في (ج): (بمعنى) بدلًا من: (في معنى).
(٥) يقول ابن عطية: (ودخلت (إذا) في هذه الآية -وهي حرف استقبال-؛ من حيث (الذين) اسمٌ فيه إبهام، ويعمُّ مَنْ قال في الماضي ومَنْ يقول في المستقبل، ومن حيث هذه النازلة تتصور في مستقبل الزمان). المحرر ٣/ ٣٨٩.
(٦) في (أ)، (ب): (بقوله). وساقطة من (ج). وليست في "معاني القرآن"، والمثبت هو ما اسْتَصْوَبْتُه.
ومن قوله: (بقوله..) إلى (.. بمعنى الاستقبال): ساقط من (ج).
(٧) في (ج): (كفروا).
إذا ضربوا في الأرض (ومثله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الحج: ٢٥]؛ معناه: إنَّ الذين يكفرون. وكذلك قوله: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا [المائدة: ٣٤]؛ معناه: يَتُوبُون. ومثله: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا [مريم: ٦٠]؛ معناه: إلّا مَن يَتُوب.
ومشهورٌ في كلامهم، أنْ يقول الرجلُ للرجلِ: (لا تضربْ إلّا الذي ضَرَبَكَ؛ إذا سَلَّمْتَ عليه). فيجيء بـ (إذا)؛ لأن (الذي) غير مُؤَقَّت، فلو وَقَّته، لَقَالَ: (اضربْ هذا الذي ضَرَبَكَ؛ إذْ (١) سَلَّمْتَ عليه). ولا يجوز: (إذا سَلَّمْتَ) -ههنا-؛ لأنَّ توقيت (الذي) أبْطَلَ أنْ يكونَ الماضي في معنى المستَقبَلِ. وتقول: (ما هَلَكَ امرُؤٌ عَرَفَ قَدْرَهُ)؛ لأن الفعل حديثٌ عن مَنْكُورٍ؛ يُراد به الجنس؛ كأنَّ المتكلمَ يريد: (ما يهلك كُلُّ امرئٍ إذا عرف قدره)، أو الرَّجُل وما أشبهها (٢).
هذا مذهب الفراء (٣)، وأنشد:
| وإنِّي لآتِيكمْ تَشَكُّرُ ما مَضَى | مِنَ الأمرِ واستيجابَ ماكان في غَدِ (٤) |
(٢) في (ج): (أشبههما).
(٣) في "معاني القرآن" له ١/ ٢٤٤.
(٤) البيت للطِّرِمّاح بن حكيم الطائي، وهو في: ذيل ديوانه ٥٧٢، وورد منسوبًا له، في: "أمالي بن الشجري" ١/ ٦٧، ٢/ ٥٣، ٤٥٣، و"اللسان" ٧/ ٣٩٦٢ (كون). وورد غير منسوب في: "معاني الفراء" ١/ ١٨٠، و"تفسير الطبري" ٤/ ١٤٨، و"الخصائص" ٣/ ٣٣١، و"سر صناعة الإعراب" ١/ ٣٩٨، و"المحرر الوجيز" ٣/ ٣٩٠.
وردت روايته عند ابن الشجري: (من الود)، و (من البر)، و (من الأمس) بدلًا من: (من الأمر). كما وردت روايته: (.. في الغد). وفي "اللسان" (واستنجاز ما كان =
أي: ما يكون.
وأجاز (١) قُطْرُب (٢) أنْ تُوقَعَ (إذْ) على معنى (إذا)، و (إذا) على معنى (إذ)، واحتج بقول الشاعر:
| ثمَّ جَزَاهُ اللهُ عَنِّي إذ جَزَى | جَنَّاتِ عَدْنٍ في العَلالِيِّ العُلى (٣) |
قال ابن الأنباري (٥): والاختيار: مذهب الفراء؛ لأنه لا يصلح في كلِّ موضعٍ وَضْعُ (٦) (إذ) في موضع (إذا)، ولا وَضْعُ (إذا) في موضع (إذ).
| مَنْ كان لا يأتيك إلا لحاجة | يروح بها فيما يروح ويغتدي |
(٢) في كتاب "الأضداد" له ١٥٠ - ١٥٢. وانظر: "الأضداد" لابن الأنباري ١١٩، فقد ناقش هذا الأمر، وأورد قول الأخفش هذا.
(٣) البيت لأبي النجم العجلي. وقد ورد منسوبًا له في: المصادر السابقة، و"تفسير الطبري" ٧/ ١٣٧، و"الصاحبي" ١٩٦، و"أمالي ابن الشجري" ١/ ٦٧، ١٥٣، و"اللسان" ٥/ ٢٧١٦ (طها)، ١/ ٥٠ (إذ) ولم يشبه هنا. وورد غير منسوب في: "تهذيب اللغة" ١/ ١٣٨. وقد ورد في كل المصادر السابقة: (.. جزاه الله عنا). (العلالي)، جمع: عُلِّيَّة -بكسر العين وضمها-، وهي الغُرْفة العالية في البيت. وأراد هنا (عِلِّيِّينَ) الواردة في القرآن. و (العُلَى)، جمع: عُلْيا. انظر: "عمدة الحفاظ" ٣٧٩، ٣٨٠ (علو).
(٤) في (ج): (إذ يجزي). وفي "الأضداد"، لقطرب، وابن الأنباري: إذا جزى.
(٥) لم أقف على مصدر قوله، وليس هو في كتابه "الأضداد" الذي تعرض فيه لهذه المسألة.
(٦) في (أ): (وضُعَ). وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل. وما أثبته هو ما استصوبته.
والذي احْتَجَّ به من قولِ الراجز، فإن معناه: (ثم جزاه الله عني، إذْ حَكَمَ بالجزاء وأوجبه). فـ (إذ) في بابها، غير منقولة إلى معنى غيرها (١).
وقوله تعالى: أَوْ كَانُوا غُزًّى (الغُزَّى) (٢): جمع (غازٍ)؛ مثل: (شاهِدٍ، وشُهَّد)، و (نائِم ونُوَّم)، و (صائِمٍ وصُوَّم)، و (قائلٍ وقُوَّل). ومثله من الناقص: (عَافٍ وعُفًّى (٣). ويجوز (غُزَاة)؛ مثل: (قُضَاة)، و (دُعَاة)، و (رُمَاة). ويجوز (غُزَّاء) مثل: (حُرَّاب) (٤)، و (ضُرَّاب) (٥).
ومعنى (الغَزْوِ) -في كلام العرب-: قَصْدُ العَدُوِّ. و (المَغْزَى): المَقْصد.
روى عَمْرُو (٦) عن أبيه: (الغَزْوُ): القَصْد. و-كذلك- (الغَوْزُ). و (قد غَزَاه، وغَازَه، غَزْوًا، وغَوْزًا): إذا قَصَدَه.
(٢) في (ب): (الغز).
(٣) (العُفَّى، والعافِيَةِ والعُفَاة)؛ كلها جمعُ (عافٍ) و (مُعْتَفٍ)، وهو: كلُّ مَن جاءك يطلب رزقًا أو معروفًا، ويقال: (وفلان تَعْتَفِيه الأضيافُ) أو (هو كثير العُفَّى أو العافية)؛ أي: كثير الأضياف. انظر: "اللسان" ٥/ ٣٠١٩ (عفا).
(٤) في (أ): (خراب) بالخاء. والمثبت من: (ب)، (ج)، و"معاني القرآن" للزجاج.
(٥) انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة (١٠٧)، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٤٨١ - ٤٨٢، و"تفسير الطبري" ٤/ ١٤٧، و"إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣٧٢ - ٣٧٣، و"الدر المصون" ٣/ ٤٥٤، وقال: (ويقال: غُزَّاء -بالمد، أيضًا-، وهو شاذ).
(٦) في (أ)، (ب): (عمر). والمثبت من (ج)، و"تهذيب اللغة" ٣/ ٢٦٦١ - ٢٦٦٢؛ حيث نقل قول عمرو عنه بنصه. وعمرو هو: ابن أبي عمرو الشيباني (إسحاق بن مرار).
قال الأزهري (١): ويقال لِجَمْعٍ (الغَازِي): (غَزِيٌّ)؛ مثل: (نَاجٍ، ونَجِيٍّ)؛ للقوم يَتَناجَوْنَ، وأنشد لِزِياد (٢) الأعجم:
| قُلْ لِلْقَوافِلِ والغَزِيِّ إذا غَزَوْا | والباكِرِينَ ولِلْمُجِدِّ الرَائحِ (٣) |
(٢) في (أ)، (ب): (الزياد). والمثبت من (ج)، وهو الصواب؛ لأن اسمه (زياد) في المصادر التي تَرْجَمَت له، وليس (الزياد). وفي "التهذيب" (وقال زياد الأعجم). وهو: زياد بن سَلْمَى، وقيل: زياد بن جابر بن عمرو بن عامر، من عبد القيس، وقيل له الأعجم، لِلُكْنَة كانت فيه، شاعر إسلامي، شهد فتح إصطخر، وتوفي في حدود المائة للهجرة.
انظر: "الشعر والشعراء" ص ٢٧٩، و"معجم الأدباء" ٣/ ٣٥٢.
(٣) البيت، ورد في: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٦٦٢ (غزا)، و"إعراب القرآن"، للنحاس ص ٣٧٣، و"الأمالي" لأبي عبد الله اليزيدي ١، و"ذيل الأمالي" للقالي ٣/ ٨، و"أمالي المرتضى" ٢/ ١٩٩، و"اللسان" ٦/ ٣٢٥٣ (غزا)، و"المقاصد النحوية" ٢/ ٥٠٢.
وقد اختلف في نسبته، فقال اليزيدي في "الأمالي" (وقد قال لي الأصمعي، يرويها للصلتان العبدي). وقال القالي: (وكان في كتابي للصَّلتان، فقال [يعني ابن دريد]: هي لزياد الأعجم؛ وكان ينزل إصْطَخر، ورثى بهذه القصيدة المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة. قال: وأنشدنا هذه القصيدة أبو الحسن الأخفش لزياد الأعجم). "ذيل الأمالي" ٣/ ٨.
وقال ابن منظور: (رأيت في حواشي ابن برِّي أن هذا البيت للصليان [هكذا في "اللسان"، بالياء] العبدي، لا لزياد. قال: وقد غلط أيضًا في نسبتها لزياد، أبو الفرج الأصبهاني، صاحب الأغاني، وتبعه الناس على ذلك). "اللسان" ٦/ ٣٢٥٣. والصَّلَتَان، هو: قُثَم بن خبيئة، من عبد القيس.
انظر: "الشعر والشعراء" (٣٣١)، و"معاهد التنصيص" ١/ ٧٤.
وقد ورد في بعض المصادر: (والغزاة إذا غزو) وليس فيها موضع للشاهد. وورد: (للباكرين).
و (القوافل): جمع (قافِلَةٍ)، وهي: الرُّفْقَة الراجعة من سفرها إلى وطنها.
و (الباكِرِين): المُسْرِعين في الذهاب من أوَّلِ النهار. و (المُجِدّ الرائح): المجتهد في رجوعه آخر النهار، أو المجتهد في السير في وقت الرواح، وهو: من الزوال إلى الليل. والشاهد في البيت قوله: (الغَزِيِّ)، وهي جمعُ (غازٍ).
انظر: "اللسان" ٣/ ١٧٦٣ (روح)، و"الخزانة" ١٠/ ٥.
وفي الآية محذوفٌ، يَدُلُّ عليه الكلامُ؛ والتقدير: إذا ضَرَبُوا في الأرض، فَمَاتُوا أو كانوا غُزًّى فَقُتِلُوا، لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا (١).
فقوله: مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا؛ يَدُلُّ على موتِهم وقَتْلِهم.
وقوله تعالى: لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ أي: لِيَجْعَلَ ظَنَّهُمْ -أَنَهم لو [لم]، (٢) يَحْضُروا (٣) الحربَ؛ لاندفع عنهم القتلُ- حَسْرَةً في قلوبهم. وحَسْرَتُهُم -في مَقَالَتِهم، التي كانوا كاذبين فيها على القضاء والقدر-؛ أشَدُّ (٤) عليهم مما (٥) نالهم في قَتْلِ إخوانهم ومَوْتِهم.
وتقدير الآية: لا تكونوا كهؤلاء الكفار في هذا القول منهم؛ لِيَجْعَلَ اللهُ ذلك حسرةً في قلوبهم دونكم. فـ (اللام) في لِيَجْعَلَ متعلقة بـ لاَ تَكُونُوا.
وقوله تعالى: وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ أي (٦): ليس يمنع الإنسانَ تَحَرُّزُهُ مِن إتْيَان أجَلِهِ على ما سَبَقَ في عِلْمِ الله -عز وجل-. فهو إنكارٌ على مَن خالفَ أمْرَ اللهِ في الجهاد؛ طَلَبًا (٧) للحياة، وهَرَبًا من الموت. هذا قول أكثر
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ب)، والمُثبت من (ج).
(٣) في (ب): (حضروا).
(٤) في (أ): (اشتد). وفي (ب): (واشتد). والمثبت من (ج).
(٥) في (ب): (فيما).
(٦) من: (أي..) إلى (.. في علم الله): نقله -بتصرف يسير جدًا- عن "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٨٢٤.
(٧) في (أ)، (ب)، (ج): (وطلبًا). ولم أر للواو وجهًا -هنا- فحذفتها.
المفسرين في هذه الآية (١).
وقال ابن عباس -في رواية عطاء (٢) - في قوله: لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ، يريد: يومَ القِيَامَةِ؛ لِمَا هم فيه من الخِزْيِ والهَوَان، ولما فيه أولياء (٣) الله مِنَ الكَرَامَةِ والنَّعِيم. حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ؛ يريد: الندامة على ترك الإسلام.
وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ؛ يريد: يحيى قلوبَ أوليائه وأهلِ طاعته، وُيرْشِدُهم للعمل بطاعته، وُيميت قلوبَ أعدائِهِ من المنافقين والكُفَّار. واللَّام (٤) -على هذا التفسير- في قوله لِيَجْعَلَ اَللَّهُ متعلق (٥) بقوله كَفَرُوا؛ على [أنها] (٦) لام العاقبة (٧)؛ مثل قوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا (٨).
(٢) لم أقف على مصدر هذه الرواية.
(٣) في (ج): (لأولياء).
(٤) في (ج): (فاللام).
(٥) في (ب): (تتعلق).
(٦) ما بين المعقوفين زيادة أضفتها لتستقيم بها العبارة
(٧) وتُسمَّى لام الصيرورة، ولام المآل.
(٨) سورة القصص: ٨. وبقيتها: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ. وينسب القول بأن اللام -هنا- لام الصيرورة، للأخفش، وليس هو رأي أكثر النحويين. قال ابن هشام: (وأنكر البصريون ومن تابعهم، لامَ العاقبة. قال الزمخشري: والتحقيق أنها لام العلة، وأن التعليل فيها وارد على طريق المجاز، دون الحقيقة، وبيانه: أنه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم عَدُوًّا وحَزَنا، بل المحبةَ والتَّبنِّي، غير أن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له وثمرته، شُبِّه بالداعي الذي يُفعَلُ الفعل لأجله. فاللام مستعارة لما يشبه التعليل، كما استعير الأسدُ لمن =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي