٢٤١- بدأ الله بنفسه وثنى بالملائكة وثلث بالعلماء دون سائر خلقه، فيكون من عداهم دونهم. ( الذخيرة : ١/٤١ )
٢٤٢- وقع التردد لبعض العلماء في قوله تعالى : شهد الله أن لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم . هل هو من باب العلم لأن الله يعلم ذلك أو من باب الخير لأن الله تعالى أخبر عباده عن ذلك، فهو محتمل للأمرين. ( الفروق : ١/١٧ )
٢٤٣- وحيثما وقع هذا الاستثناء فهو استثناء من نفي، فيجري على اللغتين في رفعه ونصبه، والمشهور رفعه، وهو مستثنى من الضمير المستتر في اسم الفاعل المحذوف، تقديره : " لا معبود مستحق للعبادة إلا الله ". أو يقال : هو مستثنى من اسم " لا "، لأن الإله معناه المعبود، فيكون المعنى : " لا معبود باستحقاق إلا الله ".
ومن النحاة من يقدر الخبر هكذا : " لا معبود باستحقاق في الوجود إلا الله ". ويقول : قولنا : " في الوجود "، مجرور متعلق بمحذوف تقديره :
" كائن "، وفي " كائن " ضمير هو فاعل، الاستثناء واقع منه. والإمام فخر الدين يقول في تصانيفه في هذا الموضع : لا يجوز أن يكون الخبر قولنا : في الوجود، لأن مفهوم ذلك : أن في العدم في مادة الإمكان معبودا باستحقاق، وذلك كفر، بل يكون الخبر قولنا : في نفس الأمر، ولا نقول : في الوجود. وإذا نفينا المستحق في نفس الأمر لا يضرنا كون اعتقاد الكفار فيه مستحقا بزعمهم، لأنا لم ننف المستحق من الاعتقاد ما لم يكن الإخبار صادقا، لأن الواقع أن في الاعتقاد معبودا بالاستحقاق.
والذي قال الإمام فخر الدين متجه، ولا ينبغي أن يخصص الوجود بالنفي بل يعمم في نفس الأمر، وبهذه الطريقة أيضا تعين أن نقول : لا معبود باستحقاق. فإن نفي المعبود مطلقا ليس بصادق، فإن المعبودات واقعة كثيرا من الشجر والحجر والكواكب وغير ذلك. فلا يصدق الإخبار عن النفي إلا إذا قيد بالاستحقاق. فلا ينبغي أن نهمل هذه الدقائق فإنها متعينة الاعتبار شرعا وعقلا ولغة.
فائدة : رأى بعض أهل الخبر النبي صلى الله عليه وسلم في المنام- كما قال- وهو جالس في مجلس بمصر، وقد أمر بإحضار الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وكان حيا يومئذ، فلما حضر قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما معنى قوله تعالى : شهد الله أنه لا إله إلا هو... ؟ فقال له الشيخ عز الدين : يا رسول الله إنما نحن قوم رواة، نروي عن الثقاة عنك عن الله، وأعظم أن يتحدث بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام في القرآن إجلالا له واحتقارا لنفسه. فأعاد النبي صلى الله عليه وسلم عليه السؤال. فأعاد الشيخ الجواب ثلاث مرات كذلك. فقال الشيخ : يا رسول الله، معنى هذه الآية أن منه هذا الجواب. فحكى المنام في اليقظة للشيخ رحمه الله تعالى، ففرح فرحا كثيرا، وقال : في هذه الآية موضع كان مشكلا علي مازال، وعسر علي فهمه جدا، الآن فهمته، قال له الحاضرون : ما هو ؟ قال أن " شهد " له في لغة العرب ثلاثة معان :
أحدها : حضر، نحو شهد فلان بدرا، وشهدنا صلاة العيد، وشهدت صلاة الجنازة.
ثانيها : بمعنى أخبر، نحو الشهادة عند الحكام، فإذا قال الشاهد : " أشهد عندك "، فمعناه : " أخبرك أني أعتقد أن الحق في جهة زيد "، ومنه قوله تعالى : ... قالوا : نشهد إنك لرسول الله (١) أي : " نخبرك عن اعتقادنا ذلك "، ولذلك كذبهم الله تعالى بسبب أنهم لا يعتقدون ذلك، لأنهم منافقون.
وثالثها : شهد بمعنى علم، ومنه قوله تعالى : والله على كل شيء شهيد (٢) أي : عليم بجميع الأشياء.
قال رحمه الله : " وحضر " هاهنا يتعذر، فكان يشكل علي، هل المراد : أخبر الله تعالى أنه لا إله إلا هو، لأنه أخبر عباده بذلك في رسائله، أو معناه، علم ذلك، فإنه تعالى يعلم وحدانيته. ولم أجد في تعيين أحدهما نقلا. فبقي ذلك مشكلا علي، وهذا المنام النبوي يقتضي تعيين أحدهما، لأن الثناء من باب الخبر لا من باب العلم، فقولي في المنام : " أثنى على نفسه بنفسه "، أي : أخبر عن وحدانيته بكلامه النفساني أو اللساني "، فإن المعنيين واقعان. ( الاستغناء : ٣٠٧ إلى ٣١٠ )
٢ -سورة المجادلة: آية ٦..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي