ﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶ

فإن شاهد الصبح في جماعة يستحق الصبح.
قال عز وجل: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)
الشاهد بالشيء يقتضي حضوره بعلمه، والإِنباء عنه، والحكم بما عليه.
ولهذا تُفسَّر الشهادة تارة بالحضور، وتارة بالعلم.
وتارة بالإِعلام، وتارة بالحكم.
إن قيل: ما وجه قوله: (شَهِدَ اللَّهُ) وقوله: (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ)، وشهادة المدعي بما يدعيه لا تقتضي زيادة على دعواه.
مع أن هذه الشهادة

صفحة رقم 463

إن كانت للجاحدين فغير مقبولة، وإن كانت للمؤمنين به ففضلة؟
وهل يكفي النبي - ﷺ - إذا طولب بالدلالة أن يقول: الله شاهد لي بذلك؟
قيل: الشاهد العالم بالشيء، المبين لغيره، وأصدق شاهد
من يعلم المشهود عند الدلالة المنبئة عن صدقه، وعن كون الأمر
على ما شهد به، والبارئ عز وجل لما جعل في كل شيء تنبُّؤاً عن
وحدانيته صار له في كل شيء لسان يشهد أنه واحد، وهذا ظاهر،

صفحة رقم 464

وبين بقوله: (وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ) أنهم قد عرفوا ذلك
وينبئون عنه، فإن الأدلة التي يذكرها العلماء، وتأتي بها الملائكة
والأنبياء شهادة منهم، فحثهم الله تعالى بهذا القول على التأمل.
ليعرفوا صحة ما شهدوه، وكذا الآية كأنه أقال، لنبيِّه:
لا تستوحش من تكذيب الكافرين لك، فقد أْبدى الله عز وجل
من الآيات ما ينبئ أنه تعالى شاهد لك بصدق دعواك.
وقوله: (قَائِمًا بِالْقِسْطِ) أي هو تعالى مراعٍ للعدالة بكل حال، وذلك
حال مؤكدة.

صفحة رقم 465

فإن قيل: ما وجه تكرير (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) في الآية؟
قيل: لما كان منتهى إدراك الإِنسان للبارئ تعالى أن يعرف الموجودات.
فيعلم أنه ليس إياها ولا مشبَّهًا بشيء منها، صار صفات التنزيه
له أشرف من صفات التمجيد له، إذ كان عامة صفات التمجيد
في ألفاظها مشاركة، يصح وصف العباد بها، ولأجل ذلك
عظم ما ورد من صفاته على لفظ النفي، نحو: (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ)

صفحة رقم 466

قيل في سورة الإِخلاص: "إنها تعدل ثلث القرآن "، لكونها تنزيهًا محضًا، فإن لفظي: الأحد والصمد وإن كانا على صورة الإِثبات - فنفي للتثنية والتشبيه)، ثم أبلغ ما يوصف به من التنزيه: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) فتكريره هاهنا
لأمرين: أحدهما: لكون الثاني قطعًا للحكم، كقولك: أشهد
أن زيدا خارج وهو خارج.
والثاني: لئلا يسبق بذكر العزيز الحكيم إلى قلب السامع تشبيه، إذ قد يوصف بهما المخلوق.

صفحة رقم 467

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية