ﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶ

شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
قلت : قائماً : حال مِن الله ، وإنما جاز من بعض المعطوفات لعدم اللبس، كقوله :
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً. . . [ الأنبيَاء : ٧٢ ]، ولا يجوز : جاء زيد وعمرو راكباً ؛ لعدم القرينة، أو مِن هو ، والعامل الجملة ؛ لأنه حال مؤكدة، أي : تفرد قائماً، أو حقه قائماً، بالقسط أي : العدل.
يقول الحقّ جلّ جلاله : شهد الله أنه لا إله إلا هو أي : بيَّن وحدانيتَه بنصب الدلائل الدالة عليها وإنزال الآيات الناطقة بها، أو بتدبيره العجيب وصنعته المتقنة وأموره المحكمة، وفي ذلك يقول القائل(١) :

يَا عَجَباً كيف يُعْصَى الإلهُ أم كيف يَجْحَدُه الجاحدُ ؟ !
وللهِ في كل تحريكةٍ وتسكينةٍ أبداً شاهدُ
وفي كُلِّ شَيءٍ له آيةٌ تَدُلُّ على أنَّه واحِدُ
وقيل لبعض العرب : ما الدليل على أن للعالم صانعاً ؟ فقال : البعرة تدل على البعير، وآثار القدم تدل على المسير، فهيكل علوي بهذه اللطافة، ومركز سفلي بهذه الكثافة، أمَا يدلان على الصانع الخبير ؟ !
و شهدت الملائكة أيضاً بالإقرار بالوحدانية والإخبار بها، وأولوا العلم وهم : الأنبياء والعلماء بالله، بالإيمان بها والاحتجاج عليها، شبه ذلك في البيان والكشف بشهادة الشاهد. وفيه دليل شرف أهل العلم وفضلهم، حيث قرن شهادتهم بشهادته ؛ لأن العلم صفة الله العليا ونعمته العظمى، والعلماء أعلام الإسلام، والسابقون إلى دار السلام، وسُرج الأمكنة وحجج الأزمنة.
وعن جابر قال : قال النبيّ صلى الله عليه وسلم :" سَاعَةٌ مِنْ عَالِم يتَّكِئ على فِرَاشِهِ، ينظُرُ في علمهِ، خَيرٌ مِنْ عِبَادَة العَابِد سَبعينَ عاماً ". وعن معاذ قالَ : قال النبي صلى الله عليه وسلم :" تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشيةٌ، ومدارستَه تسبيحٌ، والبحث فيه جهادٌ، وتعليمه مَنْ لا يعلمه صدقةٌ، وتذكُّره في أهله قُرْبَة ". ثم قال في آخر الحديث في فضل أهل العلم :" وتَرْغَبُ الملائكة في خُلتِهم، وبأجنحتها تمسحُهم، وفي صلاتها تستغفر لهم، وكلُّ رطب ويابس يستغفر لهم. حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع الأرضين وأنعامها، والسماء ونجومها، ألا وإن العلم حياةُ القلوب من العمى، ونورُ الأبصار من الظلم، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ بالعبد منزل الأحرار ومجالسة الملوك، والفكر فيه يُعْدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، وبه يُعرف الحلال والحرام، وبه تُوصلَ الأرحام، العلم إمام والعمل تابعه، يُلْهَمُه بالسعداء، ويُحْرَمه الأشقياء ".
حال كون الحقّ تعالى قائماً بالقسط أي : مُدبراً لأمر خلقه بالعدل، فيما حكم وأبرم، لا إله إلا هو ، كرر الشهادة للتأكيد، ومزيد الاعتبار بأمر التوحيد، والحكم به، بعد إقامته الدليل عليه، وقال جعفر الصادق :( الأُولى وصف وتوحيد، والثانية رسم وتعليم ). أي : قولوا : لا إله إلا هو ، أو ليرتب عليه قوله : العزيز الحكيم ، فيعلم أنه الموصوف بهما، وقدَّم العزيز ليتقدم العلم بقدرته على العلم بحكمته.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : صدرُ الآية يشير إلى الفرق، وعَجُزُها يشير إلى الجمع، كما هي عادته تعالى في كتابه العزيز، يشرع أولاً، ويُحَقِّق ثانياً، فأثبت الحق - جلّ جلاله - شهادة الملائكة وأولي العلم مع شهادته ؛ لإثبات سر الشريعة، ثم محاها بقوله : لا إله إلا هو العزيز الحكيم بحكم الحقيقة. فإثبات الرسوم شريعة، ومحوها حقيقة، فتوحيد أهل الرسوم والأشكال دلالة من وراء الحجاب، وتوحيد أهل المحو والاضمحلال شهادة من داخل الحجاب، وتوحيد أهل الرسوم دلالة وبرهان، وتوحيد أهل المحو شهادة وعيان، أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان. إثبات الرسوم إسلام وإيمان، ومحوها شهود وإحسان، وكل توحيد لم تظهر ثمرته على الجوارح من الإذعان والانقياد لأحكام العبودية فهو مخدج(١)، لقوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ [ آل عِمرَان : ١٩ ] أي، الانقياد والإذعان، ظاهراً وباطناً، لأحكام القهرية والتكليفية، فمن لا انقياد له لا دين له كاملاً.

١ الأبيات لأبي العتاهية في ديوانه ص ١٢٢، وللبيد بن ربيعة في محاضرات الأدباء ٣/٣٩٨، وليست في ديوانه..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير