ﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼ

وقوله تعالى : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا [ فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ ] ١ الآية، يعني بذلك المرائين المتكثرين بما لم يُعْطَوا، كما جاء في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من ادَّعَى دَعْوى كاذبة لِيتَكَثَّر بها لم يَزِدْه الله إلا قِلَّة " ٢ وفي الصحيح :" المتشبع٣ بما لم يُعْطَ كلابس ثَوْبَي زُور " ٤.
وقال الإمام أحمد : حدثنا حَجَّاج، عن ابن جُرَيْج، أخبرني ابن أبي مُلَيكة أن حُمَيد بن عبد الرحمن بن عَوْف أخبره : أن مروان قال : اذهب يا رافع - لبَوَّابه - إلى ابن عباس، رضي الله عنه، فقل٥ لئن كان كل امرئ منَّا فَرح بما أتَى٦ وأحب أن يحمد بما لم يفعل - معَذَّبًا، لنُعَذبن أجمعون ؟٧ فقال ابن عباس : وما لكم٨ وهذه ؟ إنما نزلت هذه في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ٩ وتلا ابن عباس : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا الآية. وقال ابن عباس : سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكتموه١٠ وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أرَوْه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أوتوا١١ من كتمانهم ما سألهم عنه.
وهكذا رواه البخاري في التفسير، ومسلم، والترمذي والنسائي في تفسيريهما، وابن أبي حاتم وابن جرير١٢ وابن مَرْدُويه، والحاكم في مستدركه، كلهم من حديث عبد الملك بن جُرَيج، بنحوه١٣ ورواه البخاري أيضا من حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عَلقمة بن وقاص : أن مَرْوان قال لبوابه : اذهبْ يا رافع إلى ابن عباس، فذكره١٤.
وقال البخاري : حدثنا سعيد بن أبي مريم، أنبأنا محمد بن جعفر، حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه ؛ أن رجالا من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرَج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تَخَلَّفوا عنه، وفَرِحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قَدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغزو اعتذروا١٥ إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا الآية.
وكذا رواه مسلم من حديث ابن أبي مريم، بنحوه١٦ وقد رواه ابن مَرْدُويه في تفسيره من حديث الليث بن سعد، عن هشَام بن سعد، عن زيد بن أسلم قال : كان١٧ أبو سعيد ورافع بن خَديج وزيد بن ثابت عند مَرْوان فقال : يا أبا سعيد، رَأيت١٨ قول الله تعالى : لا تَحْسَبَنَّ١٩ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ونحن نفرح بما أتَيْنا ونُحِب أن نُحْمَد بما لم نفعل ؟ فقال أبو سعيد : إن هذا ليس من ذاك، إنما ذاك٢٠ أن ناسا من المنافقين كانوا يَتخلَّفون إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بَعْثًا، فإن كان فيه نَكْبة فرحوا بتخلفهم، وإن كان لهم نَصْر من الله وفتح حلفوا٢١ لهم ليرضوهم ويحمدوهم على سرورهم بالنصر والفتح. فقال مروان : أين هذا من هذا ؟ فقال أبو سعيد : وهذا يَعْلَمُ هذا، فقال مروان : أكذلك يا زيد ؟ قال : نعم، صدق أبو سعيد. ثم قال أبو سعيد : وهذا يعلم ذاك٢٢ - يعني رافع بن خديج - ولكنه يخشى إن أخبرك أن تنزع قَلائصه في الصدقة. فلما خرجوا قال زيد لأبي سعيد الخدري : ألا تحمدني على شهادة لك٢٣ ؟ فقال أبو سعيد : شهدتَ الحق. فقال زيد : أو لا تحمدني على ما شهدت الحق ؟
ثم رواه من حديث مالك، عن زيد بن أسلم، عن رافع بن خديج : أنه كان هو وزيد بن ثابت عند مَروان بن الحكم، وهو أمير المدينة، فقال مروان : يا رافع، في أي شيء نزلت٢٤ هذه ؟ فذكره٢٥ كما تقدم عن أبي سعيد، رضي الله عنهم، وكان مَرْوان يبعث٢٦ بعد ذلك يسأل ابن عباس كما تقدم، فقال له ما ذكرناه، ولا منَافاة بين ما ذكره ابن عباس وما قاله هؤلاء ؛ لأن الآية عامة في جميع ما ذكر، والله أعلم.
وقد روى ابن مَرْدُويه أيضا من حديث محمد بن أبي عَتِيق وموسى بن عُقْبة، عن الزهْري، عن محمد بن ثابت الأنصاري ؛ أن ثابت بن قيس الأنصاري قال : يا رسول الله، والله لقد خشيت أن أكون هلكت. قال :" لم ؟ " قال : نهى الله المرء أن يُحِب أن يُحْمَدَ بما لم يفعل، وأجدني أُحِبُّ الحمدَ. ونهى الله عن الخُيلاء، وأجدني٢٧ أحب الجمال، ونهى الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك، وأنا٢٨ امرؤ جهوري الصوت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ألا تَرْضى أن تَعِيش حَمِيدا، وتُقْتَل شَهِيدا، وتدخل الجنة ؟ " قال : بلى يا رسول الله. فعاش٢٩ حميدا، وقُتل شهيدا يوم مُسَيْلَمة الكذاب٣٠.
وقوله : فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ يقرأ بالتاء على مخاطبة المفرد، وبالياء على الإخبار عنهم، أي : لا تحسبون٣١ أنهم ناجون من العذاب، بل لا بد لهم منه ؛ ولهذا قال : وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

١ زيادة من جـ، ر، أ، و..
٢ صحيح البخاري برقم (٦١٠٥، ٦٦٥٢) وصحيح مسلم برقم (١١٠) من حديث ثابت بن الضحاك رضي الله عنه..
٣ في أ: "المشبع"..
٤ رواه مسلم برقم (٢١٢٩) من حديث عائشة رضي الله عنها..
٥ في جـ، ر، أ: "فقل له"..
٦ في جـ: "أوتى"..
٧ في جـ، ر، أ، و: "أجمعين"..
٨ في جـ: "ما لكم"..
٩ في جـ، ر، أ، و: "لتبيننه للناس.. الآية"..
١٠ في ر، أ، و: "فكتموه إياه"..
١١ في جـ: "أوتوا"..
١٢ في و: "وابن خزيمة"..
١٣ المسند (١/٢٩٨) وصحيح البخاري برقم (٤٥٦٨) وصحيح مسلم برقم (٢٧٧٨) وسنن الترمذي برقم (٣٠١٤) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٠٨٦).
.

١٤ صحيح البخاري برقم (٤٥٦٨)..
١٥ في ر: "أعذروا"..
١٦ صحيح البخاري برقم (٤٥٦٧) وصحيح مسلم برقم (٢٧٧٧)..
١٧ في و: "قال"..
١٨ في جـ: "أرأيت"..
١٩ في أ: "لا يحسبن"..
٢٠ في أ: "من ذلك إنما ذلك"..
٢١ في ر: "يحلفوا"..
٢٢ في أ: "ذلك"..
٢٣ في ر: "أني شهدت لك"، وفي أ، و: "على ما شهدت لك"..
٢٤ في جـ، ر، أ، و: "أنزلت"..
٢٥ ورواه عبد بن حميد في تفسيره كما في الدر(٢/٤٠٤) وذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/٢٣٤)..
٢٦ في ر: "بعث".
.

٢٧ في أ: "وإني"..
٢٨ في ر، أ، و: "وإني"..
٢٩ في ر، أ، و: "قال: فعاش"..
٣٠ ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٤٢) من طريق الزهري عن محمد بن ثابت به. ورواه الحاكم في المستدرك (١/٢٣٤) من طريق إسماعيل بن محمد عن أبيه محمد بن ثابت به. ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٢٧٠) "موارد"، والطبراني في المعجم الكبير (٢/٦٧) كلاهما من طريق إسماعيل بن ثابت أن ثابت فذكره. ورواه عبد الرزاق في مصنفه برقم (٢٠٤٢٥) من طريق الزهري أن ثابت بن قيس فذكره مرسلا. ورواه مالك ومن طريق ابن عبد البر في الاستيعاب (٢/٧٥) من طريق الزهري عن إسماعيل بن محمد بن ثابت عن ثابت به. والأصح: الزهري عن محمد بن ثابت عن ثابت به، وهي رواية ابن مردويه والطبراني في المعجم الأوسط برقم (٤٢) وقد صرح محمد بن ثابت بالتحديث عند الطبراني فقال: حدثني ثابت بن قيس فذكره، والحديث حسن إن شاء الله..
٣١ في جـ، ر، أ، و: "ولا تحسبوا"..

تفسير القرآن العظيم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي

تحقيق

سامي سلامة

الناشر دار طيبة للنشر والتوزيع
سنة النشر 1420
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 8
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية