ﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼ

ثم قال عز وجل لا تحبسن الذين يفحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم روى الشيخان وغيهما من طريق حميد بن عبد الحمن بن عوف أن موان ال لبوابه اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون. فقال ابن عباس ما لكم وهذه إنما نزلت هذه الآية في أهل الكتاب سألهم النبي ثلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فخرجوا قد أوه أنهم قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أتوا من كتمان ما سألهم عنه.
وأخرج الشيخان أيضا من حديث أبي سعيد الخدي أن رجلا من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه وفحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قدم اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فزلت هذه الآية.
وأخرج عبد الرزاق في تفسيره عن زيد بن أسلم أن رافع بن خديج وزيد بن ثابت كانا عند موان فقال مروان : يا رافع في اي شيء أنزلت هذه الآية« لا تحسبن الذي يفرحون بما أتوا » قال رافع أنزلت في ناس من المنافقين كانوا إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم اعتذروا وقالوا ما حبسنا عنكم إلا شغل فلوددنا لو كنا معكم. فأنزل الله فيهم هذه الآية وكأن مروان أنكر ذلك فجزع رافع من ذلك فقال لزيد بن ثابت : انشدك الله هل تعلم ما أقول ؟ قال نعم.
قال الحافظ ابن حجر يجمع بين هذا وبين قول ابن عباس : بأنه يمكن أن تكون نزلت في الفريقين معا. قال وحكى الفراء أنها نزلت في قول اليهود نحن اليهود نحن أهل الكتاب الأول الصلاة والطاعة ومع ذلك لا يقرون بمحمد. وروى ابن أبي حاتم من طرق عن جماعة من التابعين نحو ذلك ورجحه ابن جرير، ولا مانع أن تكون نزلت في كل ذلك انتهى من لباب النقول. وقد أخرج هذه الروايات غير من ذكرناهم أيضا.
وقد وجهها بعض من قال إنها نزلت في اليهود بغير ذلك الوجه الخاص في رواية الصحيحين عن ابن عباس، ومما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس في ذلك أنه قال : هم أهل الكتاب أنزل عليهم الكتاب فحكموا بغير الحق وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فرحوا بأنهم كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل الله، وهم يزعمون أنهم يعبدون الله ويصلون ويطيعون الله. وروي عن الضحاك أنهم فرحوا بما أتوا من تكذيب النبي والكفر به وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا وهو قولهم نحن أبناء الله وأحباؤه ونحن أهل الصلاة والصيام. وهذا وجه وجيه وهو الذي اختاره ابن جرير وبمثل هذا العموم يوجه نزولها في المنافقين.
الأستاذ الإمام : كان الكلام في أهل الكتاب لتحذير المسلمين من مثل فعلهم في سياق الحض على الاستمساك بعروة الحق وحفظه والدعوة إليه إذ أخذ على أولئك الميثاق فقصروا فيه وتركوا العمل بالكتاب وتبيينه للناس واشتروا به ثمنا قليلا فاستحقوا العقاب من الله تعالى. بعد هذا بين في هذه الآية حالا آخر من أحوال أولئك الغابرين ليحذر المؤمنين منه لأنهم عرضة له وهو أنهم كانوا يفرحون بما أتوا من التأويل والتحريف للكتاب ويرون لأنفسهم شرفا فيه وفضلا بأنهم أئمة يقتدى بهم وهذا فرح بالباطل، وكانوا يحبون أن يحمدوا بأنهم حفاظ الكتاب ومفسروه وعلماؤه ومبينوه والمقيمون له، وهم لم يفعلوا شيئا من ذلك وإنما فعلوا نقيضه إذ حولوه عن الهداية إلى ما يوافق أهواء الحكام وأهواء سائر الناس يطلبون بذلك حمدهم. بين الله هذه الحال في أسلوب عجيب بين فيه حكما آخر وهو أن هؤلاء الفرحين المحبين للمحمدة الباطلة قد اشتبه أمرهم على الناس فهم يحسبون أنهم أولياء الله وأنصار دينه وعلماء كتابه وأنهم أبعد الناس عن عذابه وأقربهم من رضوانه فبين الله كذب هذا الحسبان ونهى عنه وسجل عليهم العذاب.
أقول : إن هذه الآية على عمومها مبينة لشيء من الثمن الذي استبدلوه بكتاب الله وكونه بئس الثمن، وهو أمران " أحدهما " فرحهم بما أوتوه من الأعمال فرح غرور وخيلاء وفخر على أن منه نبذ كتاب الله بترك العمل به وعدم تبيينه على وجهه إما بتحريفه عن مواضعه ليوافق أهواء الحكام أو أهواء الناس، وإما بالسكوت عنه والأخذ بكلام العلماء السابقين تقليدا بغير حجة إلا ادعاء أنهم كانوا أعلم بالكتاب وأنهم إن خالفوا بعض نصوصه فلا بد أن يكون عندهم دليل أوجب عليهم ذلك " وثانيهما " حب المدح والثناء بالباطل فإنهم يتبعون أهواء الحكام والناس في الدين ويحبون أن يحمدوا بأنهم يبينون الحق لوجه الله لا تأخذهم فيه لومة لائم فإن الحاكم أو غير الحاكم إذا احتاج إلى عمل يرضي به هواه وشهوته مما يحظره عليه الدين فلجأ إلى العالم فعلمه حيلة شرعية يسلم بها من نقد الناقدين وذم المتدينين فلا شك أنه يحمد ذلك العالم ويطريه بأنه العالم التقي المحقق، لا مكافأة له فقط بل يرى من مصلحته أن يعتقد الناس العلم والصلاح في مفتيه ليأخذوا كلامه بالقبول.
وقد علمنا من الثقات أن الحكام منذ كانوا يتواطؤون مع كبار شيوخ العلم وشيوخ الطريق المحترمين عند العامة على تعظيم كل فريق منهم للآخر فرؤساء الحكام يظهرون للعامة احترام العلماء والاعتقاد بولاية كبار شيوخ أهل الطريق فيقبلون أيديهم عند اللقاء وربما أهدوا إليهم بعض الهدايا، والمشايخ من العلماء وأهل الطريق يظهرون للعامة احترام أولئك الحكام ويشهدون بقوة دينهم وشدة غيرتهم على الإسلام والمسلمين ووجوب طاعتهم في السر والجهر- يقولون- وإن ظلموا وجاروا لأنهم مسلطون من الله عز وجل ! ! فهكذا كان الظالمون المستبدون وما زالوا يستفيدون من الدين بمساعدة رجاله ويتفق الرؤساء من الفريقين على إضاعة حقوق الأمة وإذلالها لهم ليتمتعوا بلذة الرياسة ونعيمها فيفرحون بما أتوا من ضروب المكايد السياسية والاجتماعية، والتأويلات الدينية ؛ التي ترفع قدرهم، وتخضع العامة لهم، ويحبون أن يحمدوا دائما بأنهم أنصار الدين وحماته، ومبينو الشرع ودعاته، وإن نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، وتوجهوا إلى كتب أمثالهم وأشباههم، وكانت الأمة لا تزداد كل يوم إلا شقاء بهم ؛ حتى سبقتها الأمم كلها بسوء سياستهم، ولو أنهم أقاموا الكتاب كما أمروا بالبيان له والعمل به وإلزام الحكام بهديه لما عم الفسق والفجور وصارت الشعوب الإسلامية دون سائر الشعوب حتى ذهبت سلطتها وتقلص ظلها عن أكثر الممالك التي كانت خاضعة لها ؛ وهي تتوقع نزول الخطر بالباقي وهو أقلها.
وقد كان الأمراء والسلاطين فمن دونهم من كبراء الحكام هم الذين يخطبون ود العلماء والمتصوفة ويستميلونهم إليهم وهؤلاء يتعززون، فيستجيب للرقية بعضهم ويعتصم بالإباء والتقوى آخرون ؛ ثم انعكست الحال، وضعف سلطان التقوى أمام سلطان الجاه والمال، فصار رجال الدين، هم الذين يتهافتون على أبواب الأمراء والسلاطين، فيقرب المنافقون، ويؤذى المحقون المتقون، وتكون مراتب الآخرين، على نسبة قربهم من أحد الطرفين.
هذا ما أحببت التذكير به في تبيين العبرة بالآية في سياسة الأمة وعمل رؤساء الدين والدنيا الذين يفرحون بأعمالهم وإن ساءت ويحبون أن يحمدوا بالشعريات الكاذبة التي راجت سوقها في هذا العصر بالصحف المنتشرة المعروفة بالجرائد فالكثير منها قد أتقن هذه الجريمة – مدح السلاطين- والأمراء والرؤساء بما لم يفعلوا – حتى اطمأنوا باعتقاد السواد الأعظم أن سيئاتهم حسنات ؛ وحتى بطلت فائدة المحمدة الصحيحة وحب الثناء بالحق والشكر على العمل فانهد بذهاب هذه الفائدة ركن من أركان التربية والإصلاح القومي والشخصي، فإن حب الحمد غريزة من أقوى غرائز البشر التي تنهض بالهمم وتحفز العزائم إلى الأعمال العظيمة النافعة رغبة في اقتطاف ثمار الثناء عليها ؛ فإذا كان الإنسان يدرك هذا الثناء الذي يستحقه العاملون بدون أن يكلف نفسه عناء العمل للأمة ونفع الناس بكذب الجرائد في حمده والثناء عليه بالباطل قعدت همته ووهت عزيمته وأخلد إلى الراحة أو اشتغل بالعمل للذته فقط.
فإذا كان العالم الذي ينتمي إلى الأمراء والسلاطين وينال الحظوة عندهم لا يوثق بعلمه ولا بدينه- كما تقدم بيانه والاستدلال عليه بالأحاديث والآثار- فأصحاب الجرائد أولى بعدم الثقة بأخبارهم وآرائهم إذا كانوا كذلك. وأنى للعوام المساكين فهم هذا وإدراك سره والجهل غالب ؛ والغش رائج والناصح المخلص نادر ؟ وقد صارت حاجة الملوك والأمراء المستبدين إلى حمد الجرائد توازي حاجتهم إلى حمد رجال الدين في غش الأمة أو تزيد عليها ولذلك يغدقون عليهم النعم ويقربونهم ويحلونهم بالرتب وشارات الشرف التي تعرف بالأوسمة أو النياشين. كما يحرص على إرضائهم كل محبي الشهرة بالباطل من الأغنياء والوجهاء.
لولا أن حب المحمدة بالحق على العمل النافع من غرائز الفطرة التي يستعان بها على التربية العالية لما قيد الله الوعيد على حب الحمد بقوله :" بما لم يفعلوا " فهذا القيد يدل على أن حب الثناء على العمل النافع غير مذموم ولا متوعد عليه وهذا هو الذي يليق بدين الفطرة بل جاء في الكتاب الحكيم ما يدل على مدح هذه الغريزة كقوله تعالى لنبيه :( ورفعنا لك ذكرك ) [ الشرح : ٤ ] وقوله في القرآن :( وإنه لذكر لك ولقومك ) [ الزخرف : ٤٤ ] نعم إن هناك مرتبة أعلى من مرتبة من يعمل الحسنات ليحمد عليها وهي مرتبة من يعملها حبا بالخير لذاته وتقربا به إلى الله تعالى.
على أن المدح بالحق لا يخلو في بعض الأحوال من ضرر في الممدوح كالغرور والعجب وفتور الهمة عن الثبات والمواظبة على العمل الذي حمد عليه وهذا هو سبب النهي عن المدح في حديث أبي بكرة عند أحمد والشيخين وغيرهم قال : إن رجلا ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ويحك – وفي رواية ويلك- قطعت عنق صاحبك- بقوله مرتين- إن كان أحدكم مادحا لأخيه فليقل أحسبه كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك – وحسيبه الله، ولا يزكي على الله أحدا " ٦ وفي رواية عند الطبراني في المعجم الكبير زيادة " والله لو سمعها ما أفلح " نعم يحتمل أن تكون عبارة ذلك المادح مما يستنكر من قبح الإطراء وأن يكون ذلك الممدوح بها ممن يعلم النبي صلى الله عليه وسلم استعداده للغرور بما يقال فيه فوقائع الأحوال موضع للاحتمالات لما فيها من الإجمال كما هو مشهور ولكن قل من يسلم من الاغترار بالمدح لا سيما إذا كان إطراء، وقلما يكون الإطراء حقا وقلما يلتزم المطرون الحق ولذلك قال صلى الله عليه وسلم " إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب " ٧ رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي من حديث المقداد بن الأسود وبعضهم وغيرهم عن أنس وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة. وقال صلى الله عليه وسلم " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله " ٨ رواه البخاري من حديث ابن عمر.
ثم أعود إلى المسألة الأولى فأقول : إن الفرح بالعمل من شأن المغرورين وليس المراد به هنا ارتياح نفس العامل وانبساطها لما يأتيه من العمل الذي يرى أنه محمود كما فهم مروان، وإنما هو فرح البطر والغرور الذي يتبعه الخيلاء والفخر كما أشرنا إلى ذلك، وهو ما نبه عليه القرآن في فائدة المصائب تصيب المؤمنين بقوله عز وجل :( لكيلا تأسوا على

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير