ﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼ

ولما سأل – عليه الصلاة والسلام - اليهود عن شيء في التوراة، وكتموه وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أنهم أخبروه عما سألهم، واستُحمدوا إليه ففرحوا، أنزل الله فيهم :
لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَللَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
قلت : من قرأ بالخطاب، فالذين : مفعول أول، والثاني : محذوف، أي : بمفازة من العذاب، أو هو المذكور، و تحسبنهم : تأكيد للفعل الأول، ومن قرأ بالغيب، فالذين : فاعل، والمفعولان : محذوفان، دلَّ عليهما ذكرُهما مع الثاني، أي : لا يحسبوا أنفسهم فائزة. فلا تحسبنهم : من قرأ بفتح التاء ؛ فالخطاب للرسول - عليه الصلاة والسلام-، والفعل مبني، ومن قرأ بالياء ؛ فالخطاب للذين يفرحون، والفعل معرب، أي : لا يحسبوا أنفسهم بمفازة من العذاب.
يقول الحقّ جلّ جلاله : لا تحسبن يا محمد الذين يفرحون بما أتَوا أي : بما فعلوا من التدليس وكتمان الحق، ويُحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا من الوفاء بالعهد، وإظهار الحق، والإخبار بالصدق، أنهم فائزون من العذاب، فلا تظنهم بمفازة من العذاب ، بل لهم عذاب أليم موجع.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : لا يظن أهل الفرق الذين يسندون الأفعال إلى أنفسهم، غائبين عن فعل ربهم، ويحبون أن يحمدهم الناس ويمدحهم بفعل غيرهم، أنهم فائزون عن عذاب الفرق، وحجاب العجب، إذ لا فاعل سوى الحق، فمن تمام نعمته عليك أن خلق فيك ونسب إليك، فإن فرح العبد بالطاعة من حيث ظهورها عليه، وهي عنوان العناية - ورأى نفسه فيها كالآلة، معزولاً عن فعلها، محمولاً بالقدرة الأزلية فيها، فلا بأس عليه، ويزيد بذلك تواضعاً وشكراً، وإن فرح بها من حيث صدورها منه، ويتبجح بها على عباد الله، فهو عين العجب، وفي الحكم :" لا تُفرحكَ الطاعة من حيث إنها صَدَرَتْ منك، وافرح بها من حيث إنها هدية من الله عليك ؛ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ [ يُونس : ٥٨ ] ".


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير