ﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼ

لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا أي بما فعلوا من إضلال الناس والتدليس وكتمان الحق أو من مطلق المعاصي ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من الوفاء بالميثاق وإظهار الحق والإخبار بالصدق وغير ذلك من الحسنات وجه فرحهم كون ما فعلوا بتمسكاتهم في تكذيب نبوته صلى الله عليه وسلم، وجاز أن يكون المراد بالموصول المنافقين الذين لم يفعلوا الطاعات على الحقيقة ويظهرونها رياء ويحبون أن يحمدوا بأنهم زهاد مطيعين لله فلا تحسبنهم بمفازة قرأ الكوفيون لا تحسبن فلا تحسبنهم بالتاء على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وبفتح الباء على الإفراد، فعلى هذا المفعول الأول للفعل الأول الموصول والثاني بمفازة والفعل الثاني تأكيد للفعل الأول وفاعله ومفعوله الأول، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء للغيبة فيهما وضم الباء في تحسبنهم لأن الضمير راجع إلى الذين، فعلى هذا الفاعل للفعل الأول الموصول ومفعولاه محذوفان تدل عليهما مفعولا مؤكده، أو المفعول الأول محذوف ومفعوله الثاني بمفازة والفعل الثاني تأكيد للأول وفاعله ومفعوله الأول يعني لا يحسبن الذين يفرحون أنفسهم بمفازة، وقرأ نافع وابن عامر بالياء للغيبة في الأول على أن مفعوليه محذوفان يدل عليهما المفعولان للفعل الثاني وبالتاء خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم وحده في الفعل الثاني من العذاب في الدنيا بالفضيحة والذم والرد ولهم عذاب أليم في الآخرة. روى الشيخان وغيرهما من طريق حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وكذا روى البغوي من طريق البخاري عن علقمة بن وقاص أن مروان قال لبوابه : اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل لئن كان كل امرئ منا فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعين، فقال ابن عباس ومالكم ولهذه ؟ إنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم اليهود فسألهم عن شيء فكتموه إياه فأخبروه بغيره فخرجوا قد أرده أنهم أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم سألهم عنه ثم قرأ ابن عباس وإذ أحذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب إلى قوله يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ١ وأخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري " أن رجالا من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قدم اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا آن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا الآية ٢ وأخرج عبد في تفسيره عن زيد بن أسلم أن رافع بن خدريج وزيد بن ثابت كانا عند مروان، فقال مروان : يا رافع في أي شيء نزلت هذه الآية لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ؟ قال رافع : نزلت في ناس من المنافقين كانوا إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم : اعتذروا وقالوا ما حسبنا عنكم إلا الشغل فلوددنا أنا كنا معكم فأنزل الله فيهم هذه الآية، وكأن مروان أنكر ذلك فخرج رافع من ذلك فقال لزيد : أنشدك بالله هل تعلم ما أقول ؟ قال : نعم. قال الحافظ ابن حجر : يمكن الجمع بينهما بأنها نزلت في الفريقين، وحكى الفراء أنها نزلت في قول اليهود ونحن أهل الكتاب الأول والصلاة والطاعة ومع ذلك لا يقرون بمحمد صلى الله عليه وسلم. وروى ابن أبي حاتم من طرق عن جماعة من التابعين نحو ذلك، ورجحه ابن جرير ولا مانع أن تكون نزلت في ذلك أيضا، قال البغوي : قال عكرمة : نزلت في فنحاص وأشيع وغيرهما من الأحبار يفرحون بإضلالهم الناس وبنسبة الناس إياهم إلى العلم وليسوا بأهل علم، وقال مجاهد : هم اليهود فرحوا بما أعطى الله آل إبراهيم م وهم براء من ذلك، وقال قتادة ومقاتل : أتت يهود خيبر نبي صلى الله عليه وسلم فقالوا نحن نعرفك ونصدقك وإنا على رأيكم ونحن لكم ردء وليس ذلك في قلوبهم، فلما خرجوا قال لهم المسلمون أحسنتم هكذا فافعلوا فحمدوهم ودعوا لهم فأنزل الله هذه الآية ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير .

١ أخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة آل عمران (٣٠١٤) وأخرجه مسلم في كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم (٢٧٧٨)..
٢ أخرجه البخاري في كتاب: تفسير القرآن، باب: ولا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا (٤٥٦٧).
وأخرجه مسلم في أوائل كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم (٢٧٧٧)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير