ﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗ ﲿ

قوله : رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ " من " شرطية، مفعول مقدم، واجب التقديم، لأن له صدرَ الكلام، و " تُدْخِل " مجزوم بها، و فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ جوابٌ لها.
وحكى أبو البقاءِ عن بعضهم قولين غريبين :
الأول : أن تكون " من " منصوبة بفعل مقدَّر، يُفَسِّره قوله : فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ . وهذا غلطٌ ؛ لأن مَنْ شرط الاشتغال صحة تسلط ما يفسِّر على ما هو منصوب، والجوابُ لا يعمل فيما قبل فعل الشرط ؛ لأنه لا يتقدم على الشرط.
الثاني : أن تكون " مَنْ " مبتدأ، والشرطُ وجوابُهُ خبر هذا المبتدأ. وهذان الوجهان غلط، والله أعلم. وعلى الأقوالِ كُلِّها فهذه الجملةُ الشرطيةُ في محل رفع ؛ خبراً لِ " إنَّ ". ويقال : خزيته وأخزيته ثلاثياً ورباعياً - والأكثر الرباعي، وخَزِيَ الرجلُ يَخْزَى خِزْياً - إذا افتضح - وخزايةً - إذا استحيا - فالفعل واحدٌ، وإنما يتميز بالمصدرِ.
قال الواحديُّ : الإخزاء - في اللغة - يَرِد على معانٍ يقرب بعضُها من بعض.
قال الزَّجَّاجُ : أخْزَى الله العدُوَّ : أي : أبعده.
وقال غيره : أخزاه اللَّهُ : أي : أهانه.
وقال شمر : أخزاه اللَّهُ : أي : فضحه، وفي القرآن : وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي [ هود : ٧٨ ].
وقال المفضَّلُ : أخزاه الله : أي : أهلكه.
وقال ابنُ الأنباري : الخِزْي - في اللغة - الهلاك بتلف أو انقطاع حجة، أو وقوع في بلاء، وكل هذه الوجوه متقاربة.
وقال الزمخشريُّ :" فَقَدْ أخْزَيْتَهُ " أي : أبلغت في إخزائه.

فصل


قالت المعتزلةُ : هذه الآيةُ دالةٌ على أن صاحب الكبيرةِ - من أهل الصَّلاةِ - ليس بمؤمن ؛ لأن صاحبَ الكبيرة إذا دخل النار فقد أخزاهُ اللَّهُ ؛ لدلالة هذه الآية، والمؤمن لا يخزى ؛ لقوله تعالى : يَوْمَ لاَ يُخْزِى اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ [ التحريم : ٨ ] فوجب من [ مجموع هاتين ]١ الآيتين ألا يكون صاحب الكبيرةِ مؤمناً.
والجواب أن قوله : يَوْمَ لاَ يُخْزِى اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ لا يقتضي نفي الإخزاء مطلقاً، وإنما يقتضي ألا يحصل الإخزاءُ حال ما يكونون مع النبيّ، وهذا النفيُ لا يناقضه إثبات الإخزاء في الجملة ؛ لاحتمال أن يَحْصُلَ الإخزاءُ في وقتٍ آخَرَ.
وأجاب الواحديُّ في " البسيط " بثلاثة أجوبةٍ أُخَرَ :
أحدها : أنه نقل عن سعيد بن المُسَيَّبِ، والثوري، وقتادة، أن قوله :" فَقَدْ أخْزَيْتَهُ " مخصوصٌ بمن يدخل النّارَ للخلودِ. وهذا الجوابُ ضعيفٌ ؛ لأن مذهبَ المعتزلةِ أنّ كلَّ فاسقٍ دخل النَّارَ، فإنَّما يدخلُها للخلودِ فيها.
وثانيها : أن المُدْخَل في النار مخزًى في حال دخوله، وإن كان عاقبته أن يخرج منها. وهذا -أيضاً - ضعيفٌ ؛ لأنَّ موضعَ الاستدلالِ أن قوله : يَوْمَ لاَ يُخْزِى اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ يدل على نفي الخِزْي عن المؤمنين على الإطلاق، وهذه الآيةُ دلت على حصول الخِزْي لكل من دخل النّارَ، فحصل بحُكم هاتين الآيتين - بين كونه مؤمناً، وبين كونه كافراً - من يدخل النار - منافاةٌ.
وثالثها : أنّ الإخزاءَ يحتمل وَجْهَيْن :
أحدهما : الإهانة والإهلاك. وثانيهما : التخجيل، يقال : خَزِيَ خِزَايةً : إذا استحيا، وأخزاهُ غيرُه : إذا عمل به عملاً يُخْجله ويستحيي منه.
قال ابنُ الخطيبِ :" واعلم أنّ حاصلَ هذا الجوابِ : أنَّ لفظَ الإخزاءِ مشتركٌ بين التخجيلِ وبين الإهلاكِ، واللفظُ لا يمكن حَمْله في طرفي النفي والإثبات على معنييه جميعاً، وإذا كانَ كذلك جاز أن يكون المنفي بقوله : يَوْمَ لاَ يُخْزِى اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ [ التحريم : ٨ ] غير المثبت في قوله : إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وعلى هذا يسقط الاستدلالُ، إلا أنّ هذا الجوابَ إنما يتمشى إذا كان لفظُ الإخزاء مشتركاً بين هذين المفهومين، أما إذا كان لفظاً متواطئاً، مفيداً لمعنًى واحدٍ وكان المعنيان اللذان ذكرهما الواحديُّ نوعين تحت جنس واحدٍ، سقط هذا الجوابُ ؛ لأن قوله : لاَ يُخْزِى اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ لنفي الجنس، وقوله :" فقد أخزيته " لإثبات النوع، وحينئذ تحصل المنافاةُ بينهما ".
قال القرطبيُّ :" وقال أهل المعاني : الخِزي أن يكون بمعنى الحياء، يقال : خَزِيَ يَخْزَى خزايةً إذا استحيا، فهو خَزْيان.
قال ذو الرمة :[ البسيط ]
خَزَايَةً أدْرَكَتْهُ عِنْدَ جُرْأتِهِ مِنْ جَانِبِ الحَبْلِ مَخْلُوطاً بِهَا الْغَضَبُ٢
فخِزْي المؤمنينَ - يومئذٍ - استحياؤهم في دخول النَارِ من سائرِ أهلِ الأدْيَانِ إلى أن يخرجوا مِنْهَا، والخِزْي للكافرين هو إهلاكهم فيها من غير موتٍ، والمؤمنون يموتون، فافترقوا، كذا ثبت في صحيح السنة، من حديث أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، أخرجه مسلمٌ ".

فصل


احتجت المرجئة بهذه الآيةِ في القطعِ بأنَّ صاحبَ الكبيرةِ لا يُخْزَى، وكل مَنْ دخل النَّار فإنه يُخْزَى، فيلزم القطع بأنَّ صاحبَ الكبيرةِ لا يدخل النارَ، وإنما قُلْنا : صاحبُ الكبيرةِ لا يُخْزَى ؛ لأن صاحبَ الكبيرةِ مؤمنٌ، والمؤمنُ لا يُخْزَى، وإنما قلنا : إنه مؤمنٌ ؛ لقوله تعالى :
وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُواْ الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ [ الحجرات : ٩ ] سمي الباغي - حال كونِهِ باغياً - مؤمناً، والبغي من الكبائر بالإجماع، وأيضاً قال تعالى :
يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى [ البقرة : ١٧٨ ] سمى القاتلَ - بالعَمْد العدوان - مؤمناً، فثبت أنّ صاحبَ الكبيرةِ مؤمنٌ، وإنما قلنا : إن المؤمن لا يُخْزَى ؛ لقوله تعالى : يَوْمَ لاَ يُخْزِى اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ [ التحريم : ٨ ] ولقوله : وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ [ آل عمران : ١٩٤ ]، ثم قال : فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ
وهذه الاستجابة تدل على أنه - تعالى - لا يخزي المؤمنين، فثبت أن صاحبَ الكبيرِ لا يُخْزَى وكل مَنْ دخل النار فإنه يُخْزَى ؛ لقوله تعالى : إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ فثبت - بهاتين المقدمتين - أن صاحب الكبيرة لا يدخل النار.
والجوابُ : ما تقدم من أن قوله : يَوْمَ لاَ يُخْزِى اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ
[ التحريم : ٨ ] إنما يدل على نَفْي الإخزاء حال كونهم مع النَّبِيّ، وذلك لا ينافي حصول الإخزاء في وقتٍ آخرَ.

فصل


عموم هذه الآية مخصوصٌ في مواضع، منها قوله تعالى : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا
[ مريم : ٧١ ] ثم قال : ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَواْ [ مريم : ٧٢ ] وأهل الثَّوابِ مصونونَ عن الخِزْي.
ومنها : أنَّ الملائكةَ - الذين هم خَزَنَة جَهَنَّم يكونونَ في النَّارِ، وهُمْ - أيضاً - مصونونَ عَنِ الخزي، قال تعالى :
عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ
[ التحريم : ٦ ].
قوله : وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ " مِنْ " زائدة، لوجودِ الشَّرْطَيْنِ، وفي مجرورها وجهانِ :
أحدهما : أنه مبتدأ، وخبره في الجارّ قبله، وتقديمه - هنا - جائزٌ لا واجبٌ ؛ لأنَّ النفي مسوَّغٌ وحَسَّن تقديمه كونُ مبتدئه فاصلةً.
الثاني : أنه فاعل بالجارِّ قبله، لاعتماده على النفي، وهذا جائزٌ عند الجميعِ.

فصل


تمسَّك المعتزلةُ بهذه الآيةِ في نَفْي الشفاعةِ للفسَّاق ؛ وذلك لأن الشفاعة، نوع نُصْرَةٍ، ونَفْي الجنس يقتضي نَفْيَ النَّوعِ، والجوابُ من وجوهٍ :
أحدها : أن القرآنَ دلَّ على أنّ الظالمينَ - بالإطلاقِ - هم الكفَّارُ، قال تعالى :
وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ البقرة : ٢٥٤ ] ويؤكِّده ما حكى عن الكفار من نفيهم الشفعاء والأنصار في قولهم : فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ [ الشعراء : ١٠٠- ١٠١ ].
ثانيها : أنَّ الشفيع لا يمكنه أن يشفع إلا بإذن اللَّهِ تَعَالَى، قال تعالى : مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ [ البقرة : ٢٥٥ ] وإذا كان كذلك لم يكن الشفيعُ قادراً على النُّصرَةِ إلا بعد الإذن، وإذا حصل الإذن ففي الحقيقة إنما ظهر العفو من اللَّهِ تَعَالَى، فقوله : وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ يُفيد أنه لا حكمَ إلا لله، كما قال : أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ
[ الأنعام : ٦٢ ] وقال : وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [ الانفطار : ١٩ ].
فإن قيل : فعلى هذا التقديرِ لا يبقى لتخصيص الظالمينَ - بهذا الحكمِ - فائدةٌ.
فالجوابُ : بل فيه فائدةٌ، لأنه وعد المؤمنينَ المتقينَ في الدُّنْيَا بالفوزِ بالثَّوابِ، والنجاةِ من العقابِ، فلهم يومَ القيامةِ هذه المنزلةُ، وأما الفُسَّاقُ فليس لهم ذلك، فصحَّ تخصيصهم بنَفْي الأنصارِ على الإطلاقِ.
ثالثها : أن هذه الآيةَ عامةٌ، والأحاديثُ الواردةُ بثبوتِ الشفاعةِ خاصةٌ، والخاصُّ مقَدَّم على العامّ.
١ في أ: عموم..
٢ ينظر البيت في ديوانه ١/١٠٣ واللسان (خزا) وجمهرة أشعار العرب ص ٧٧١..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية