آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥) }
شرح الكلمات:
فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ : أي: في وجودهما من العدم.
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ : تعاقبهما هذا يجيء وذاك يذهب، هذا مظلم وذاك مضيء.
لآياتٍ : دلائل واضحة على وجود الله تعالى وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته.
لأُولِي الأَلْبَابِ : أصحاب العقول التي تُدرك بها الأشياء وتفهم بها الأدلة.
رَبَّنَا : يقولون: ربنا إلخ...
بَاطِلاً : لا لشيء مقصود منه، وإنما هو من باب اللعب.
سُبْحَانَكَ١ : تنزيهاً لك عن العبث واللعب، وعن الشريك والولد.
فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ : أجرنا واحفظنا من عذاب النار بتوفيقك لنا للأعمال الصالحة وتجنيبنا الأعمال الفاسدة الموجبة لعذاب النار.
أَخْزَيْتَهُ : أذللته وأشقيته
وَكَفِّرْ عَنَّا : استر وامح.
الأَبْرَارِ : جمع بر أو بار، وهم المتمسكون بالشريعة.
عَلَى رُسُلِكَ : على ألسنة رسلك من النصر والتأييد.
الْمِيعَادَ : الوعد.
هَاجَرُوا : تركوا بلادهم وديارهم وأموالهم وأهليهم فراراً بدينهم.
وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي : آذاهم المشركون من أجل الإيمان بي ورسولي وطاعتنا.
ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللهِ : أي: أجراً جزاء كائناً من عند الله، وهو الجنات بعد تكفير السيئات.
معنى الآيات:
لما قال اليهود تلك المقالة السيئة: إن الله تعالى فقير ونحن أغنياء، وحرفوا الكتاب وبدلوا وغيروا ويحبون أن يحمدوا على باطلهم كانت مواقفهم هذه دالة على عمى في بصائرهم، وضلال في عقولهم، فذكر تعالى من الآيات الكونية ما يدل على غناء، وافتقار عباده إليه، كما يدل على ربوبيته على خلقه، وتدبيره لحياتهم وتصرفه في أمورهم، وأنه ربهم لا رب لهم غيره وإلههم الذي لا إله لهم سواه إلا أن هذا لا يدركه إلا أرباب العقول الحصيفة والبصائر النيرة، فقال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ١ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ نعم إن في إيجاد السموات والأرض من العدم وفي اختلاف الليل والنهار بالطول والقصر والظلام والضياء، والتعاقب بذهاب هذا ومجيء ذاك دلائل واضحات على غنى الله وافتقار عباده وبراهين ساطعة على ربوبيته لخلقه. وألوهيته لهم. هذا ما تضمنته الآية الأولى (١٩٠)، وأما الآيات الأربع بعدها فقد تضمنت وصفاً لأولي الألباب الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض فيهتدون إلى معرفة الرب تعالى فيذكرونه ويشكرونه. فقال تعالى عنهم: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً٢ وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وهذا شامل لحالهم في الصلاة٣
٢ شاهد هذا قول عائشة في الصحيح: "كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يذكر الله على كل أحيانه". ومن الأدب أن يستثنى من هذا لعموم حالة التبول وقضاء الحاجة في الكنف.
٣ لحديث عمران بن حصين رضي الله عنهما إذ قال: "كان بي البواسير فسألت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: صلي قائماً فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب" رواه الأئمة، وفي مسلم: "أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى النافلة قاعداً وذلك قبل موته بعام".
وخارج الصلاة. وقال عنهم: وَيَتَفَكَّرُونَ١ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، أي: في إيجادهما وتكوينهما وإبداعهما، وعظيم خلقهما، وما أودع فيهما من مخلوقات. فلا يلبثون أن يقولوا: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً، أي: لا لحكمة مقصودة ولا لهدف مطلوب، بل خلقته بالحق، وحاشاك أن تكون من اللاعبين العابثين سبحانك تنزيها لك عن العبث واللعب بل خلقت ما خلقت لحكم عالية لأجل أن تذكر وتشكر، فتكرم الشاكرين الذاكرين، في دار كرامتك وتهين الكافرين في دار عذابك، ولذا قالوا: في الآية (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ. والظالمون هم الكافرون، ولذا يعدمون النصير ويخزون بالعذاب المهين، وقال عنهم في الآية (١٩٣) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا، والمنادي هو القرآن الكريم والرسول٢ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتوسلوا بإيمانهم لربهم طالبين أشرف المطالب وأسماها مغفرة ذنوبهم ووفائهم مع الأبرار فقالوا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ٣ وهو ما جاء في الآية (١٩٣)، وأما الآية الخامسة (١٩٤) فقد سألوا ربهم أن يعطيهم ما وعدهم على ألسنة رسله من النصر والتمكين في الأرض، هذا في الدنيا، وأن لا يخزيهم يوم القيامة بتعذيبهم في النار، فقالوا: رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، أي: وعدك الحق، وفي الآية السادسة (١٩٥) ذكر تعالى استجابته لهم فقال لهم: أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بل أجازي الكل بعمله لا أنقصه له ذكراً كان أو أنثى لأن بعضكم من بعض الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر فلا معنى للتفرقة بينكم، وذكر تعالى بعض أعمالهم الصالحة التي استوجبوا بها هذا الإنعام فقال: فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا، وواعدهم قائلاً: لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ، وكان ذلك ثواباً منه تعالى على أعمالهم الصالحة، والله عنده حسن الثواب، فليرغب إليه، وليطمع فيه، فإنه البر الرحيم.
٢ أي: محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال ابن مسعود، وابن عباس، وأكثر المفسرين، وقال قتادة وغيره: هو القرآن. والكل صحيح، والرسول نادى، والقرآن نادى إلى اليوم.
٣ لم ما قالوا: وتوفنا مع الأبرار؟ إنهم هضماً لأنفسهم وتواضعاً لربهم وإعلاناً عن رغبتهم في الالتحاق بربهم حباً في لقائه، والحياة إلى جواره في الملكوت الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- وجوب التفكر في خلق السموات والأرض للحصول على المزيد من الإيمان والإيقان.
٢- استحباب تلاوة هذه الآيات: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ... إلى آخر السورة، وذلك عند القيام للتهجد آخر الليل لثبوت ذلك في الصحيح١ عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
٣- استبحاب ذكر الله في كل حال٢ من قيام أو قعود أو اضطجاع.
٤- استحباب التعوذ من النار بل وجوبه ولو مرة في العمر.
٥- مشروعية التوسل إلى الله تعالى بالإيمان وصالح الأعمال.
٦- فضل الهجرة والجهاد في سبيل الله.
٧- المساواة بين المؤمنين والمؤمنات في العمل والجزاء.
٨- استحباب الوفاة بين الأبرار وهم أهل الطاعة لله ولرسوله والصدق فيها وذلك بالحياة معهم والعيش بينهم لتكون الوفاة بإذن الله معهم.
لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ (١٩٨) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ
٢ شاهده حديث عائشة الصحيح: "أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يذكر الله على كل أحيانه".
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري