ﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗ ﲿ

وقوله تعالى: سُبْحَانَكَ.
أي: تنزيهًا لك، ببراءتك عما لا يجوز في وصفك (١).
فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
أي: قد اعترفنا بوحدانيَّتِك، وصدَّقنا أنَّ لك جَنّةً ونارًا، فقِنا عذابَ النار.
١٩٢ - قوله تعالى: رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ.
الإخزاء -في اللغة- يَرِدُ على معانٍ، يَقْرُبُ بعضُها مِنْ بَعْضٍ.
قال الزجاج (٢): (أخزى اللهُ العَدُوَّ)؛ أي: أبْعَدَهُ. وقال غيرُه (٣): الخِزْي: الهَوَانُ، و (أخزاهُ الله)؛ أي: أهانه.
وقال شَمِر (٤): أخزيته: فضحته. وفي القرآن: وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي [هود: ٧٨].

= المحيط" ٣/ ١٤٠، والسمين الحلبي في "الدر المصون" ٣/ ٥٣٢ - ٥٣٣ واستحسنا كونها حالًا من هَذَا.
(١) التسبيح: تنزيه الله -تعالى- من كلِّ سُوء والتنزيه: التبعيد. فقولهم: (سبحانك)؛ أي: تنزيهًا لك يا ربنا.. أي: نَزَّهناك.
انظر: "الزاهر" ١/ ١٤٤، و"مقاييس اللغة" ٣/ ١٢٥ (سبح)، و"اللسان" ٤/ ١٩١٤ (سبح).
(٢) لم أقف على مصدر قوله. وورد عنه في: "معاني القرآن" -عند هذه الآية-: (والمَخْزِيُّ -في اللغة-: المُذَلُّ المَحقور بأمرٍ قد لَزمَهُ بِحُجَّة، وكذلك (أخزيته)؛ أي: ألزمته حجة أذْلَلْتهُ معها).
(٣) أورد هذا القول الأزهري في: "التهذيب" ١/ ١٠٢٧ (خزى) ولم ينسبه لقائل؛ حيث أورد قولَ الليث بن المظفر أولًا، ثم قال: (وقال غيره..) وذكر القول.
(٤) قوله في: "تهذيب اللغة" ١/ ١٠٢٧ (خزى). ونصه في "التهذيب": (قال شمر: قال بعضهم..) ثم ذكره.

صفحة رقم 255

وقال (١) المُفَضَّلُ (٢) -في قوله: أَخْزَيْتَهُ -: أي: أهْلَكته.
وقال ابن الأنباري (٣): معنى الخِزْي -في اللغة-: الهلاك بتَلفٍ أو انقطاع حُجّةٍ، أو بوقوعٍ في بلاء (٤). قال جرير:

تَمَّتْ تَمِيمٌ يا أُخَيْطِلُ فانْجَحِرْ خَزِيَ الأُخَيْطِلُ حين قُلتُ وقالا (٥)
أي: هَلَكَ بانقطاع حُجّتِهِ. ويحتمل: استحيا بانقطاعه. يقال (٦): (خَزِيَ، يَخْزَى، خِزْيًا): إذا هلك. و (خَزِي، يَخْزى (٧)، خَزَايةً): إذا استحيا (٨).
وتعلقت الوَعِيدِيَّةُ بهذه الآية، وقالوا: قد أخبر الله -تعالى-: أنه لا يُخزي النبيَّ والذين آمنوا معه، فوجب أن كلّ مَنْ يدخل النارَ لا يكون مؤمنًا؛ لِقَولِه: أَخْزَيْتَهُ. والجواب عن هذا، من وجوه:
(١) في (ج): (قال) بدون واو.
(٢) قوله في "تفسير الثعلبي" ٣/ ١٧٢ أ.
(٣) لم أقف على مصدر قوله.
(٤) تعرض ابن الأنباري لهذه الكلمة في "الزاهر" ١/ ٣٧٤ فقال عن قولهم (أخزى الله فلانًا): (معناه: أذله الله وكسَره وأهلكه. قال أبو العباس: الأصل فيه: أن يفعل الرجل فَعْلَةً، يستحي منها وينكسر لها، ويذل من أجلها..).
(٥) البيت في: ديوانه: ٣٦٢. وهو من قصيدة يهجو فيها الأخطل، الشاعر النصراني.
وروايته في الديوان: (تمت تميمي يا أخيطل فاحتجز..).
ومعنى (فانْجَحِرْ): ادخل جُحرك. من: (جَحَرَ الضبُّ): دخل جُحره و (جَحَرَ فلانٌ الضَبَّ): أدخله في جحره. انظر: "القاموس" ص ٣٦٢ (جحر).
(٦) من قوله: (يقال..) إلى (.. إذا استحيا): موجود في: "الزاهر" لابن الأنباري ١/ ٣٧٤.
(٧) قوله: (خزيًا: إذا هلك وخزي يخزى) ساقط من (ج).
(٨) ونصه عند ابن الأنباري: (يقال: (خَزِي يخزَى خزايَةً): إذا استحيا. و (خزِي يخزَى خِزْيا): إذا انكسر وهلك وذل).

صفحة رقم 256

أحدها: ما رَوَى قتادة، عن أنسٍ (١) -في قوله: إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ -، قال: إنك مَنْ تُخَلِّدْ في النار.
وقال الثَوْريُّ: بَلَغَنِي عن سعيد بن المسيب (٢)، أنه قال في هذه الآية: هي خاصَّةٌ في قومٍ لا يخرُجونَ مِنَ النَّارِ بعد دُخُولِهم إيَّاها.
ورُوي هذا المعنى -أيضًا- عن قتادة (٣) نفسِهِ. فمذهب هؤلاء الثلاثة: أنَّ الآية خاصَّةٌ فيمن يدخلها للخلود فيها. يدل عليه آخرُ الآية، وهو قوله تعالى: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ يريد: الكفار.
والثاني: أن المُدخَل في النار مَخْزِيٌّ في حال دُخُولِهِ، وإن كانت عاقبتُهُ أن يخرج منها، فإن الدخول لا يقع إلّا بخزيٍ في ذلك الوقت. وهذا مذهب جابر بن عبد الله، واختيار ابن الأنباري.
يَدُلُّ عليه ما روي عن عَمْرُو بن دينار، أنه قال: قَدِم علينا جابر -في عُمْرةٍ -، فسألته عن هذه الآية، فقال: وما أخزاهُ (٤) حين أحرقه بالنار! إنّ دون ذا (٥) لَخِزْيًا (٦).

(١) قوله في: "تفسير الطبري" ٤/ ٢١١، و"تفسير ابن أبي حاتم" ٣/ ٨٤٢، و"معاني القرآن" للنحاس ١/ ٥٢٦، و"تفسير الثعلبي" ٣/ ١٧٢ أ.
(٢) قوله في "تفسير عبد الرزاق" ١/ ١٤٢، و"تفسير الطبري" ٤/ ٢١١، و"تفسير الثعلبي" ٣/ ١٧٢ أ، وفيها: (أخبرنا الثوري، عن رجل، عن ابن المسيب..). وأورده ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٩٦٤ بدون إسناد.
(٣) قوله في "تفسير ابن أبي حاتم" ٤/ ٨٤٢، و"تفسير الثعلبي" ٣/ ١٧٢ أ. وهو قول: سعيد بن جبير، وابن جريج، ومقاتل. انظر: "زاد المسير" ١/ ٥٢٨.
(٤) (أ)، (ب): (اخزاؤه). ولا وجه لها -هنا-. والمثبت من (ج)، ومصادر الخبر التالية.
وقوله: (وما أخزاه) أي: ما أشد وأكثر خزيه! أو: يا لخزيه!.
(٥) في (ب): (ذلك) وكذا وردت في مصادر الخبر.
(٦) أخرج الخبر: الحاكم في "المستدرك" ٢/ ٣٠٠، والطبرى في "تفسيره" ٤/ ٢١١،=

صفحة رقم 257

قال ابن الأنباري (١): وحَمْل الآية على العموم أولى من نقلها إلى خصوصٍ لا دليل عليه.
والجواب الثالث: ما قال أهلُ المعاني، وهو: أنّ الإخزاءَ يحتمل معنيين: أحدهما: الإهانة والإهلاك والإبعاد، كما ذكرنا. وهذا للكفّار والثاني: الإخجال؛ يقال: (خَزِيَ خَزَايَةً): إذا استحيا، و (أخزاه غَيْرُهْ): إذا عَمِلَ بِهِ عَمَلًا يُخْجِلُه، ويستحيي منه.
ومنه حديث يزيد بن شَجَرَة (٢): (ولا تُخزُوا الحورَ العِين) (٣)؛ كأنهن

= وأورده السيوطي في "الدر" ٢/ ١٩٦.
وقد رجح الطبريُّ هذا القول. انظر: "تفسيره" ٤/ ٢١١.
(١) لم أقف على مصدر قوله.
(٢) هو: يزيد بن شَجَرة بن أبي شجرة الرُّهاوي. شامي من مذحج، مُخْتَلَفٌ في صُحبته، وكان معاوية (يستعمله على الجيوش، وكان أميرًا حازمًا، قتل في إحدى الغزوات سنة (٥٥ هـ)، وقيل: (٥٨ هـ).
انظر: "الاستيعاب" ٤/ ١٣٨، و"الكامل" ٣/ ١٩٠، ٢٢٧، و"أسد الغابة" ٥/ ٤٩٥، و"الإصابة" ٣/ ٦٥٨.
(٣) الأثر، مِنْ خُطبة ليَزيد بن شجرة، أخرجه ابن المبارك في "الزهد" ٤٣ رقم (١٣٣)، موقوفًا على يزيد، قال: (أخبرنا زائدة عن منصور عن مجاهد، قال: كان يزيد بن شجرة مما يُذَاكرنا فيبكي..) وذكره.
وأخرجه أبو عبيد بن سلام في "غريب الحديث" ٤/ ٣٥٨ - ٣٥٩، موقوفًا.
وأورده الأزهريُّ في "تهذيب اللغة" ١/ ١٠٢٧ نقلًا عن أبي عبيد، وأورده الزمخشري في "الفائق" ١/ ٣١٧، وابن الجوزي في "غريب الحديث" ١/ ٢٧٧.
وقد أورده -كذلك-: ابنُ الأثير في "أسد الغابة" ٥/ ٤٩٥، بنحوه، مرفوعًا عن يزيد، وكذا أورده ابن حجر في "الإصابة": ٣/ ٦٥٨، مرفوعًا عن يزيد. وعزاه، ابن حجر للخرائطي في: مكارم الأخلاق، وابن أبي شيبة، وعزاه للبغوي من طريق خالد الواسطي، ولأبي نعيم من طريق مسعود بن سعد، عن يزيد، ونسب ابن =

صفحة رقم 258

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية