ولقد بين سبحانه وتعالى حالين هما من أحوال المسيح عليه السلام، فقال تعالى :
ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين المهد : هو مضجع الطفل، من مهد يمهد مهدا، بمعنى انه مهيأ مسهل له وهو في الرضاعة.
ومن في المهد يكون طفلا صغيرا يحمل لا يتصور منه كلام مطلقا، والكهل هو الرجل السوي، والمر الخارق للعادة في هذا ان عيسى عليه السلام تكلم وهو في المهد، وكلامه وهو في المهد ليس لغو صبيان، بل هو كلام شبان مكتهلين، وقد بلغوا تمام الرجولة والاستواء العقلي، وجمعهما معا في الكلام يدل على ان كلامه في الأول من نوع كلامه في الثاني ؛ولذا يقول الزمخشري :"ومعناه يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت بين حال الطفولة، وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل، ويستنبأ فيها الأنبياء"وإن ما حكاه الله تعالى عن كلامه في المهد ليوضح ذلك ؛ففي سورة مريم : فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا٢٩ قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا٣٠ وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا٣١ وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا٣٢ والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت يوم أبعث حيا٣٣ [ مريم ].
وقد ذكر سبحانه حالا ثانية من أحواله، او وصفا من أوصافه، وهو انه من الصالحين، وهذا رمز إلى ما يأتي به من إصلاح خلقي واجتماعي، وروحي فكري ؛إذ يزيل النزعة المادية من قلوب المؤمنين ؛فإن الصالح حقا هو الذي يصلح، فليس بصالح صلاحا كاملا من لم يرشد غيره إلى طريق الصلاح.
زهرة التفاسير
أبو زهرة