(وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)
* * *
المهد: هو مضجع الطفل، من مهد يمهد مهدا، بمعنى أنه مهيأ مسهل له وهو في الرضاعة.
ومن في المهد يكون طفلا صغيرا يحمل لَا يتصور منه كلام مطلقا، والكهل هو الرجل السوي، والأمر الخارق للعادة في هذا أن عيسى عليه السلام تكلم وهو في المهد، وكلامه وهو في المهد ليس لغو صبيان، بل هو كلام شبان مكتهلين، وقد بلغوا تمام الرجولة والاستواء العقلي، وجمعهما معا في الكلام يدل على أن كلامه في الأول من نوع كلامه في الثاني، ولذا يقول الزمخشري: " ومعناه يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت بين حال الطفولة، وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل، ويستنبأ فيها الأنبياء " وإن ما حكاه الله تعالى عن كلامه في المهد ليوضح ذلك، ففي سورة مريم: (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي
وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣).
وقد ذكر سبحانه حالا ثانية من أحواله، أو وصفا من أوصافه، وهو أنه من الصالحين، وهذا رمز إلى ما يأتي به من إصلاح خلقي واجتماعي، وروحي فكري؛ إذ يزيل النزعة المادية من قلوب المؤمنين؛ فإن الصالح حقا هو الذي يصلح، فليس بصالح صلاحا كاملا من لم يرشد غيره إلى طريق الصلاح. هذه بشارة الله بطريق ملائكته لمريم البتول، وقد بين الله تعالى أن هذه البشارة أثارت عجبها واستغرابها:
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة