ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡ

هذا الشوط من السورة ما يزال يجري مع الخط الأول الأساسي العريض فيها.. خط المعركة بين أهل الكتاب والجماعة المسلمة.. معركة العقيدة، وما يبذل أعداء هذا الدين من جهد ومن حيلة ومن مكيدة ومن خداع، ومن كذب، ومن تدبير، للبس الحق بالباطل، وبث الريب والشكوك، وتبييت الشر والضر لهذه الأمة بلا وناة ولا انقطاع.. ثم.. مواجهة القرآن لهذا كله، بتبصير المؤمنين بحقيقة ما هم عليه من الحق ؛ وحقيقة ما عليه أعداؤهم من الباطل ؛ وحقيقة ما يبيته لهم هؤلاء الأعداء.. وأخيرا بتشريح هؤلاء الأعداء.. طباعهم وأخلاقهم وأعمالهم ونياتهم.. على مشهد من الجماعة المسلمة، لتعريفها حقيقة أعدائها، وفضح ما يضفونه على أنفسهم من مظاهر العلم والمعرفة، وتبديد ثقة المخدوعين من المسلمين فيهم، وتنفيرهم من حالهم، وإسقاط دسائسهم بتركها مكشوفة عوراء، لا تخدع أحدا ولا تنطلي على أحد !
ويبدأ هذا الشوط بمواجهة أهل الكتاب - اليهود والنصارى - بسخف موقفهم وهم يحاجون في إبراهيم - عليه السلام - فيزعم اليهود أنه كان يهوديا، ويزعم النصارى أنه كان نصرانيا. على حين أن إبراهيم سابق لليهودية والنصرانية، سابق للتوراة والإنجيل. والحجاج فيه على هذا النحو مراء لا يستند إلى دليل.. ويقرر حقيقة ما كان عليه إبراهيم.. لقد كان على الإسلام.. دين الله القويم. وأولياؤه هم الذين يسيرون على نهجه. والله ولي المؤمنين أجمعين.. ومن ثم تسقط ادعاءات هؤلاء وهؤلاء ؛ ويتبين خط الإسلام الواصل بين رسل الله والمؤمنين بهم على توالي القرون :( إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه، وهذا النبي، والذين آمنوا. والله ولي المؤمنين )..
يلي ذلك في السياق كشف الهدف الأصيل الكامن وراء مماراة أهل الكتاب في إبراهيم وغير إبراهيم - مما سبق في السورة ومما سيجيء - فهو الرغبة الملحة في إضلال المسلمين عن دينهم، وتشكيكهم في عقيدتهم.. ومن ثم يتجه بالتقريع إلى المضللين :( يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون ؟ يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ؟ )..
ثم يطلع الجماعة المسلمة على لون من تبييت أعدائهم وتدبيرهم، لزعزعة ثقتهم في عقيدتهم ودينهم، بطريقة خبيثة ماكرة لئيمة. ذلك أن يعلنوا إيمانهم بالإسلام أول النهار، ثم يكفروا بالإسلام آخره.. كي يلقوا في روع غير المتثبتين في الصف المسلم - ومثلهم موجود دائما في كل صف - أنه لأمر ارتد أهل الكتاب، الخبيرون بالكتب والرسل والديانات :( وقالت طائفة من أهل الكتاب : آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ).. وهو كيد خبيث لئيم !
ثم يكشف عن طبيعة أهل الكتاب وأخلاقهم ونظرتهم للعهود والمواثيق - على أمانة في بعضهم لا ينكرها عليهم - فأما البعض الآخر فلا أمانة له ولا عهد ولا ذمة ؛ وهم يفلسفون جشعهم وخيانتهم ويدعون لها سندا من دينهم، ودينهم من هذا الخلق بريء :( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك. ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما. ذلك بأنهم قالوا : ليس علينا في الأميين سبيل. ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون )..
وفي هذا الموضع يبين طبيعة نظرة الإسلام الأخلاقية ومبعثها وارتباطها بتقوى الله :( بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين. إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا، أولئك لا خلاق لهم في الآخرة، ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم )..
ويمضي يعرض نموذجا آخر من التواء أهل الكتاب وكذبهم الرخيص في أمر الدين، ابتغاء مكاسب الأرض وهي كلها ثمن قليل :( وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب، لتحسبوه من الكتاب، وما هو من الكتاب. ويقولون : هو من عند الله. وما هو من عند الله. ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون )..
ومن هذا الذي يلوون ألسنتهم فيه ما يدعونه من الوهية للمسيح وللروح القدس.. وينفي الله - سبحانه - أن يكون المسيح - عليه السلام - قد جاءهم بهذا في الكتاب أو أمرهم به :( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة، ثم يقول للناس : كونوا عبادا لي من دون الله. ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون. ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا. أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون )..
وبهذه المناسبة يذكر حقيقة الصلة بين موكب الرسل المتتابعة.. وهي عهد الله عليهم أن يسلم السابق منهم للاحق وينصره :( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين : لما آتيتكم من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه. قال : أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري ؟ قالوا : أقررنا. قال : فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ).. ومن ثم يتعين على أهل الكتاب أن يؤمنوا بالرسول الأخير وينصروه. ولكنهم لا يوفون بعهد الله معهم ومع رسلهم الأولين.
وفي ظل هذا العهد الساري يقرر أن الذي يبتغي دينا غير دين الله.. الإسلام.. يخرج في الحقيقة على نظام الكون كله كما إراده الله :( أفغير دين الله يبغون، وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها ؟ وإليه يرجعون ؟ ).. فيبدو هؤلاء الذين يخرجون عن إسلام أمرهم لله كله، والطاعة والاتباع لمنهج الله في خضوع واستسلام.. يبدو هؤلاء شذاذا خارجين على نظام الوجود الكبير !
هنا يوجه الرسول [ ص ] والمسلمين معه إلى إعلان الإيمان بدين الله الواحد، ممثلا في كل ما جاء به الرسل أجمعين. وأن الله لا يقبل من البشر جميعا إلا هذا الدين ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين )..
فأما الذين لا يؤمنون بهذا الدين فلا مطمع لهم في هداية الله. ولا في النجاة من عقابه. إلا أن يتوبوا. وأما الذين يموتون وهم كفار فلن ينفعهم أن يكونوا قد بذلوا ما بذلوا، ولن ينجيهم أن يفتدوا بملء الأرض ذهبا !
وبمناسبة البذل والفداء يحبب للمسلمين أن ينفقوا مما يحبون من مال في هذه الدنيا، ليجدوه عند الله مدخرا يوم القيامة :( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون. وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم )..
وهكذا يستعرض هذا الشوط الواحد هذا الحشد من الحقائق والتوجيهات. وهو شوط في المعركة الضخمة التي تعرضها السورة، دائرة بين الجماعة المسلمة وأعداء هذا الدين. من رواء القرون. وهي ذاتها المعركة الدائرة اليوم، لا تختلف فيها الأهداف والغايات، وإن اختلفت أشكال الوسائل والأدوات.. وهي هي في خطها الطويل المديد..
ثم يمضي السياق يصف حال أهل الكتاب ؛ ويبين ما في هذه الحال من نقائص ؛ ويقرر القيم الصحيحة التي يقوم عليها الإسلام دين المسلمين. ويبدأ فيعرض نموذجين من نماذج أهل الكتاب في التعامل والتعاقد :
( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما. ذلك بأنهم قالوا : ليس علينا في الأميين سبيل، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون. بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين. إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة، ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم )..
إنها خطة الإنصاف والحق وعدم البخس والغبن يجري عليها القرآن الكريم في وصف حال أهل الكتاب الذين كانوا يواجهون الجماعة المسلمة حينذاك ؛ والتي لعلها حال أهل الكتاب في جميع الأجيال. ذلك أن خصومة أهل الكتاب للإسلام والمسلمين، ودسهم وكيدهم وتدبيرهم الماكر اللئيم، وإرادتهم الشر بالجماعة المسلمة وبهذا الدين.. كل ذلك لا يجعل القرآن يبخس المحسنين منهم حقهم، حتى في معرض الجدل والمواجهة. فهو هنا يقرر أن من أهل الكتاب ناسا أمناء، لا يأكلون الحقوق مهما كانت ضخمة مغرية :
( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك )..
ولكن منهم كذلك الخونة الطامعين المماطلين، الذين لا يردون حقا - وإن صغر - إلا بالمطالبة والإلحاح والملازمة. ثم هم يفلسفون هذا الخلق الذميم، بالكذب على الله عن علم وقصد :
( ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما. ذلك بأنهم قالوا : ليس علينا في الأميين سبيل. ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون )..
وهذه بالذات صفة يهود. فهم الذين يقولون هذا القول ؛ ويجعلون للأخلاق مقاييس متعددة. فالأمانة بين اليهودي واليهودي. أما غير اليهود ويسمونهم الأميين وكانوا يعنون بهم العرب [ وهم في الحقيقة يعنون كل من سوى اليهود ] فلا حرج على اليهودي في أكل أموالهم، وغشهم وخداعهم، والتدليس عليهم، واستغلالهم بلا تحرج من وسيلة خسيسة ولا فعل ذميم !
ومن العجب أن يزعموا أن إلههم ودينهم يأمرهم بهذا. وهم يعلمون أن هذا كذب. وأن الله لا يأمر بالفحشاء. ولا يبيح لجماعة من الناس أن يأكلوا أموال جماعة من الناس سحتا وبهتانا، وألا يرعوا معهم عهدا ولا ذمة، وأن ينالوا منهم بلا تحرج ولا تذمم. ولكنها يهود ! يهود التي اتخذت من عداوة البشرية والحقد عليها ديدنا ودينا :
( ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون )..

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير