روى الشيخان في الصحيحين عن أبي وائل عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان " ١ فأنزل الله تعالى تصديق ذلك إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا الآية- فدخل الأشعث بن قيس فقال ما حدثكم أبو عبد الرحمن ؟ فقالوا : كذا وكذا، فقال : فيّ نزلت، كانت لي بئر في أرض ابن عم لي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" بينتك أو يمينه " قلت إذا يحلف عليها يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله يوم القيامة وهو غضبان " كذا روى البغوي بسنده من طريق البخاري. وفي رواية أبي داود وابن ماجه وغيرهما عن الأشعث بن قيس قال : كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقدّمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :" ألك بينة " ؟ قلت : لا، قال لليهودي : احلف، قلت : يا رسول الله إذا يحلف ويذهب بمالي، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروى البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى أن رجلا أقام سلعة وهو في السوق فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلا من المسلمين فنزلت هذه الآية. قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري : لا منافاة بين الحديثين بل يحمل أن النزول كان بالسببين جميعا والمعنى أن الذين يشترون بعهد الله في أداء الأمانة وأيمانهم الكاذبة ثمنا قليلا يعني شيئا من متاع الدنيا قليلا كان أو كثيرا فإنها بالنسبة إلى نعماء الجنة قليل جدا. وأخرج ابن جرير عن عكرمة أن الآية نزلت في حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف وغيرهما من اليهود الذين يكتمون ما أنزل الله في التوراة في شأن محمد صلى الله عليه وسلم وبدلوه وكتبوه بأيديهم غيره، وحلفوا أنه من عند الله لئلا يفوتهم المأكل والرشي التي كانت لهم من أتباعهم، قال ابن حجر : والآية محتملة لكن العمدة في ذلك ما ثبت في الصحيح، قلت : سياق الكلام يقتضي صحة ما روى ابن جرير عن عكرمة والحديثين المذكورين في الصحيحين لا ينافيان رواية ابن جرير كما لا يتنافيان لجواز كون أسباب النزول كلها جميعا والله أعلم. وعن علقمة بن وائل عن أبيه قال : جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمي يا رسول الله إن هذا غلبني على أرض لي، فقال الكندي : هي أرضي وفي يدي ليس له فيها حق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي : ألك بينة ؟ قال : لا، قال : فلك يمينه، قال : يا رسول الله إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه فليس يتورع من شيء، قال ليس لك منه إلا ذلك، فانطلق ليحلف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أدبر : لئن حلف على ماله ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض " ٢ رواه مسلم، وفي رواية هو امرؤ القيس بن عابس الكندي وخصمه ربيعة بن عبدان، وفي رواية لأبي داود أنه صلى الله عليه وسلم قال :" لا يقطع أحد مالا بيمين إلا لقي الله وهو أجذم " ٣ فقال الكندي هي أرضه، وقال البغوي : روي أنه لما هم الكندي أن يحلف نزلت هذه الآية فامتنع امرؤ القيس أن يحلف واقرأ لخصمه ودفعها إليه أولئك لا خلاق لهم أي لا نصيب لهم في نعيم الآخرة عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة " فقال له رجل : وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله ؟ قال :" وإن كان قضيبا من أراك " ٤ رواه مسلم، وفي رواية قالها ثلاثا ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة قيل معناه لا يكلمهم الله كلاما يسرهم ولا ينظر إليهم نظر رحمة، والصحيح أن هذا كناية عن الغضب والإعراض فكأنّ قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله والأشعث لقي الله وهو عليه غضبان، وفي حديث وائل :" ليلقين الله وهو عنه معرض " تفسير لهذين الجملتين ولا يزكيهم أي لا يثني عليهم والظاهر أن معناه لا يغفر الله ذنبه لأنه من حقوق العباد وفيه القصاص لا محالة، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الدواوين ثلاثة : فديوان لا يعبأ الله به شيئا، وديوان لا يترك الله منه شيئا، وديوان لا يغفر الله، أما الديوان الذي لا يغفر الله فهو الشرك، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم تركه أوصلاه تركها، وأما الديوان الذي لا يترك منه شيئا فظلم العباد بعضهم بعضا القصاص لا محالة " ٥ رواه الحاكم وأحمد وروى الطبراني مثله من حديث سلمان وأبي هريرة والبزار مثله من حديث أنس – وإن كان الآية في اليهود في كتمان نعت النبي صلى الله عليه وسلم فعدم المغفرة لأجل كفرهم ولهم عذاب أليم على ما فعلوه عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم " قال فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا، فقال أبو ذر : خابوا وخسروا مَن هم يا رسول الله، قال " المسبل إزاره والمنان الذي لا يعطي شيئا إلا منة والمنفق سلعته بالحلف الكاذب " ٦ رواه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي، وعن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم قال :" ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف به بالله لأخذه بكذا كذا فصدّقه، وهو على غير ذلك ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطاه منها وفى وإن لم يعط منها لم يف " ٧ متفق عليه ورواه أحمد والأربعة، وفي رواية متفق عليها عنه مرفوعا :" ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم رجل حلف على سلعة لقد أعطى بها أكثر مما أعطى وهو كاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال رجل مسلم، ورجل منع فضل مائه فيقول الله اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم يعمل يداك " وعن سلمان نحوه بلفظ " شيخ زان وعائل مستكبر ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه " رواه الطبراني والبيهقي وروى الطبراني عن عصمة بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه.
وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار (١٣٨)..
٢ أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار (١٣٩) وأخرجه أبو داود في كتاب: الأيمان والنذور، باب: فيمن حلف ليقتطع بها مالا (٣٢٤٣) وأخرجه الترمذي في كتاب: الأحكام، باب: ما جاء في أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه (١٣٤٠)..
٣ أخرجه أبو داود في كتاب: الأيمان والنذور، باب: فيمن حلف ليقتطع بها مالا (٣٢٤٢)..
٤ أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار (١٣٧).
= وأخرجه النسائي في كتاب: آداب القضاة، باب: القضاء في قليل المال وكثيره (٥٤١٧)..
٥ أخرجه أحمد والحاكم وصححه من حديث عائشة، وفيه صدقة بن موسى الذفيقي ضعفه ابن معين وغيره.
أنظر تخريج أحاديث الإحياء للحافظ العراقي المجلد الرابع / كتاب: التوبة..
٦ أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان غلظ تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية وتنفيق السلعة بالحلف (١٠٦) وأخرجه النسائي في كتاب: الزينة، باب: إسبال الإزار (٥٣٣١) وأخرجه أبو داود في كتاب: اللباس، باب: ما جاء في إسبال الإزار (٤٠٨٢)..
٧ أخرجه البخاري في كتاب: الشهادات، باب: اليمين بعد العصر (٢٦٧٢)..
التفسير المظهري
المظهري