هذا الربع من سورة آل عمران يمس عدة موضوعات حيوية، من العبادات والمعاملات، ففي آياته البينات إشارة إلى موضوع الأمانة بالنسبة لشؤون الدنيا، وإلى موضوع الأمانة بالنسبة لشؤون الدين، وفي آياته تحديد وتوكيد لما نادى به القرآن الكريم من إعفاء البشر من كل شيء زائد على العبودية لله، ومن تحريرهم من كل أنواع العبودية الأخرى التي تعارف عليها الناس لسواه مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ .
وفي آياته تعريف للمؤمنين بما أخذه الله على النبيين السابقين، من ميثاق الإيمان والنصرة لخاتم الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ( ٨١ ) .
وفي آياته توضيح جديد لمعنى الإسلام، وإثبات أنه الدين الذي لا يقبل الله دينا سواه أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يرْجَعُونَ( ٨٣ ) - وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ( ٨٥ ) .
وفي آياته إشارة إلى ما قد يصيب بعض ضعفاء الإيمان من ردة بعد إيمانهم تتبعها التوبة قبل الموت، أو يعقبها الإصرار عليها إلى حين الموت
كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِم - إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ، ( ٩٠ ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ .
ومما يتصل بموضوع الأمانة وبضدها الذي هو الخيانة ما يستعمله التجار لترويج تجارتهم من الأيمان الكاذبة، وقد كان ذلك شائعا بين تجار اليهود، واقتدى بهم غيرهم، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( ٧٧ ) .
فهنا يتصدى كتاب الله بالتوبيخ والإنذار للتجار المستغلين من أجل تلاعبهم بمصالح المؤمنين، ويبين لهم العقوبات الإلهية القاسية التي تنتظرهم في الدنيا والآخرة، جزاء تطاولهم على الله، وتلاعبهم باسمه الأقدس، وحلفهم الأيمان الفاجرة، من أجل ربح يحاولون الحصول عليه، وهو في الحقيقة منتهى الخسارة لهم، ومنتهى البوار لتجارتهم.
فقوله تعالى : أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ معناه أنهم لا نصيب لهم في الجنة، وقوله تعالى وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ معناه أنهم سيكونون محل السخط والغضب والهوان، لدى الملك الديان، وقوله تعالى : وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ معناه لا يرحم ضراعتهم، ولا يقبل إغاثتهم، وقوله تعالى : وَلاَ يُزَكِّيهِمْ معناه أنه يتركهم على ما حشروا عليه من أدناس ذنوبهم وأوساخها، وهل بعد هذا العقاب على خيانة الأمانة واستغلال اسم الله الأقدس في الأيمان الفاجرة، من أجل تجارة خاسرة، عقاب أكبر وأخطر، ثم يأتي ختام هذه الآية بقوله تعالى : وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أي لهم عذاب مؤلم وموجع، وذلك زيادة في تأكيد العقوبات التي فصلتها الآية وأوضحتها، حتى يتجنبها من يريد لنفسه النجاة والخلاص. روى الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( ثلاثة يشنؤهم الله : التاجر الحلاف، والفقير المحتال، والبخيل المنان ).
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري