إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم
تفسير المفردات :
يشترون : أي يستبدلون،
والمراد بالعهد عهد الله إلى الناس في كتبه المنزلة أن يلتزموا الصدق والوفاء بما يتعاهدون عليه ويتعاقدون،
والمراد بالأيمان الأيمان الكاذبة،
والثمن القليل : هو العوض الذي يأخذونه أو الرشا، وجعل قليلا لأن كل ما يفوت الثواب ويوجب العقاب فهو قليل،
ولا خلاق لهم : أي لا نصيب لهم،
ولا يكلمهم الله : أي يغضب عليهم،
ولا ينظر إليهم : أي يسخط عليهم ويستهين بهم،
ولايزكيهم : أي لا يثني عليهم.
المعنى الجملي
بعد أن بين سبحانه خيانة أهل الكتاب في الدين وكيدهم للمسلمين، ليرجعوا عن دينهم، وصدهم عن الدعوة لذلك الدين الجديد بكل وسيلة يستطيعونها، زعما منهم أنهم شعب الله المختار، وأن الدين الحق خاص بهم لا يعدوهم إلى شعب آخر، ولا إلى أمة أخرى.
أردف ذلك ذكر حال طائفة أخرى منهم تخون الأمانات، وتستحل أكل أموال الناس بالباطل، تأويلا للكتاب وغرورا في الدين.
الإيضاح :
أي إن الذين يستبدلون بعهد الله إلى الناس في كتبه المنزلة بأن يلتزموا الصدق والوفاء بما يتعاهدون عليه ويتعاقدون، وأن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، ويتقوه في جميع الأمور وبما حلفوا عليه من قولهم : لنؤمنن به ولننصرنه- ثمنا قليلا هو العوض أو الرشا- أولئك لا نصيب لهم في منافع الآخرة ونعيمها، ويغضب عليهم ربهم ولا ينظر إليهم ولا يثني عليهم يوم القيامة، ولهم عذاب أليم هو الغاية في الألم.
قال القفال : هذه الكلمات يراد بها بيان شدة سخط الله عليهم، لأن من منع غيره كلامه في الدنيا فإنما ذلك لسخطه عليه، وقد يأمره بحجبه عنه، ويقول لا أكلمك ولا أرى وجهك، وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل اه.
وصفوة القول- إن الله توعد الناكثين للعهد، المخلفين للوعد بالحرمان من النعيم وبالعذاب الأليم، وبأنهم يكونون في غضب الله بحيث لا ترجى لهم رحمة، ولا يسمعون منه تعالى كلمة عفو ولا مغفرة.
ولم يتوعد الله مرتكبي الكبائر من الزناة وشاربي الخمر، ولاعبي الميسر وعاقي الوالدين بما توعد به ناكثي العهود وخائني الأمانات، لأن مفاسدهما أعظم من جميع المفاسد التي لأجلها حرمت تلك الجرائم.
فالوفاء بها آية الدين البينة، والمحور الذي تدور عليه مصالح العمران، فمتى نكث الناس في عهودهم زالت ثقة بعضهم ببعض، والثقة روح المعاملات وأساس النظام.
والإيمان بالله لا يجتمع مع الخيانة والنكث بالعهد، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم جعله علامة النفاق فقال :( آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان ).
وروى الطبراني في الأوسط عن أنس رضي الله عنه قال : ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال :( لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له ).
فما بال كثير من المسلمين حتى المتدينين منهم استهانوا بالعهود، وأصبحوا لا يحفظون الأيمان ويرون ذلك شيئا صغيرا، مع كل ما رأوا من شديد التهديد والوعيد ويكبرون أمر المعاصي التي يتعودوها لعدم الإلف والعادة فقط، مع أنها دون ذلك عند الله كما تدل عليه هذه الآية.
أخرج ابن جرير عن عكرمة قال : نزلت هذه الآية في أبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق وكعب بن الأشرف وحيي بن أخطب حرفوا التوراة وبدلوا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكم الأمانات وغيرها، وأخذوا على ذلك الرشا.
وروى البخاري وغيره أن الأشعث بن قيس قال :" كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدنيها، فقدته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ألك بنية ؟ قلت لا، فقال لليهودي احلف، فقلت : يا رسول الله إذن يحلف فيذهب مالي، فأنزل الله إن الذين يشترون بعهد الله الآية ".
قال الحافظ ابن حجر والآية محتملة لأن يكون هذا سبب النزول أو ذاك والعمدة في ذلك ما ثبت في الصحيح.
تفسير المراغي
المراغي