ثم تصدى كتاب الله للاعتراض على المشركين البسطاء، الذين يشركون بالله والأوثان والأصنام، إذ يقولون :( لبيك لا شريك لك ) إلا شريكا هولك، تملكه وما ملك )، مبينا تناقضهم وتهافتهم في منطقهم الساذج البسيط، عندما لا يقبلون أن يكون مماليكهم شركاء لهم في شيء، نظرا للفرق الشاسع الذي يعتقدونه قائما بين الفئتين، بينما هم يعتبرون أصنامهم مملوكين لله وشركاء له في وقت واحد، الأمر الذي لا يرضونه لأنفسهم بالنسبة لمماليكهم، وذلك قوله تعالى خطابا للمشركين ضرب لكم مثلا من أنفسكم، هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء، تخافونهم كخيفتكم أنفسكم . وواضح أن كتاب الله يجعل الرزق مشتركا ومشاعا بين جميع الفئات، ولا يرضى بأن تحتكره طبقة من الطبقات، وإلى ذلك يشير قوله تعالى هنا : فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء .
وبعد أن استوفى كتاب الله في هذا الربع وصف عدد من آيات الله في الأنفس والآفاق عقب على ذلك كله قائلا : كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون( ٢٨ ) فجعل ملكة العقل هي مفتاح الإقناع والاقتناع، متى استعملها الإنسان استعمالا موضوعيا ومنهجيا سليما، وكان باحثا عن الحق الصراح والحقيقة المجردة دون هوى سابق، ولا تعصب لاحق، وتأكيدا لهذا المعنى قال تعالى في ختام هذا الربع : بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم، فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين( ٢٩ ) .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري