ﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ

ثم يقول الحق سبحانه١ :
ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ٢٨
ضرب المثل أسلوب من أساليب القرآن للبيان وللتوضيح وتقريب المسائل إلى الأفهام، ففي موضع آخر يقول سبحانه : إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها... ٢٦ ( البقرة )
وقال سبحانه : يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له.... ٧٣ ( الحج ) فهذا كثير في كتاب الله، والمثل يضرب ليجلي حقيقة. والضرب هنا لا يعني إحداث أثر ضار بالمضروب، إنما إحداث أثر نافع إيجابي كما في قوله تعالى : وآخرون يضربون في الأرض.... ٢٠ ( المزمل )
وقولنا في مسألة سك العملة : ضرب في كذا، فكأن الضرب يحدث في المضروب أثرا باقيا، ففي الأرض بإثارة دفائنها واستخراج كنوزها، وفي العملة بترك أثر بارز لا تمحوه الأيدي في حركة التداول، وكأنه ضرب المثل يوضح الشيء الغامض توضيحا بينا كما تسك العملة، ويجعل الفكرة في الذهن قائمة واضحة المعالم. وللضرب عناصر ثلاثة : الضارب، والمضروب، والمضروب به.
ويروى في مجال الأمثال أن رجلا خرج للصيد معه آلاته، الكنانة وهي جعبة السهام، والسهام، والقوس، فلما رأى ظبيا أخذ يعد كنانته وقوسه للرمي لكن لم يمهله الظبي وفر هاربا، فقال له آخر وقد رأى ما كان منه : قبل الرماء تملأ الكنائن، فصارت مثلا وإن قيل في مناسبة بعينها إلا أنه يضرب في كل مناسبة مشابهة، ويقال في أي موضع كما هو وبنفس ألفاظه دون أن نغير فيه شيئا.
فمثلا، حين ترى التلميذ المهمل يذاكر قبيل الامتحان، وحين ترى من يقدم على أمر دون أن يعد له عدته لك أن تقول : قبل الرماء تملأ الكنائن. إذن : هذه العبارة صار لها مدلولها الواضح، وترسخت في الذهن حتى صارت مثلا يضرب.
وتقول لمن تسلط عليك وادعى أنه أقوى منك : إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا.
والحق سبحانه يضرب له المثل للتوضيح ولتقريب المعاني للأفهام ؛ لذلك يقول سبحانه : إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها.... ٢٦ ( البقرة ) يقف هنا بعض المتمحكين الذين يحبون أن يستدركوا على كلام الله، يقولون : ما دام الله تعالى لا يستحى أن يضرب مثلا بالبعوضة فما فوقها من باب أولى، فلماذا يقول : فما فوقها... ٢٦ ( البقرة )
وهذا يدل على عدم فهمهم للمعنى المراد لله عز وجل، فالمعنى : فما فوقها أي : في الغرابة وفي القلة والصغر، لا ما فوقها الكبر٢.
ومن الأمثلة التي ضربها الله لنا ليوضح لنا قضية التوحيد قوله تعالى : ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون٢٩ ( الزمر )
فالذي يتخذ مع الله إلها آخر كالذي يخدم سيدين وليتهما متفقان، إنما متشاكسان مختلفان، فأن أرضي أحدهما أسخط الآخر، فهو متعب بينهما، فهل يستوي هذا العبد وعبد آخر يخدم سيدا واحدا ؟ كذلك في عبادة الله وحده لا شريك له. فبالمثال اتضحت القضية، ورسخت في الأذهان ؛ لذلك يقول سبحانه : أنا لا أستحي أن أضرب الأمثال ؛ لأنني أريد أن أوضح لعبادي الحقائق، وأبين لهم المعاني.
ضرب لكم مثلا من أنفسكم... ٢٨ ( الروم )
في هذه الآية وبهذا المثل يؤكد الحق- سبحانه وتعالى- في قمة تربية العقيدة الإيمانية، يؤكد على واحدية الله وعلى أحديته، فالواحدية شيء والأحدية آخر : الواحدية أنه سبحانه واحد لا فرد آخر معه، لكن هذا الفرد الواحد قد يكون في ذاته مركبا من أجزاء، فوصف نفسه سبحانه بأنه أحد أي : ليس مركبا من أجزاء.
أكد الله هذه الحقيقة في قرآنه بالحجج وبالبراهين، وضرب لها المثل. وهنا يضرب لنا مثلا من أنفسنا ليؤكد على هذه الوحدانية.
وقوله تعالى : من أنفسكم... ٢٨ ( الروم ) يعني : ليس بعيدا عنكم، وأقرب شيء للإنسان نفسه، إذن : فأوضح مثل ما غاب عنك أن يكون من نفسك، ومن ذلك قوله تعالى : لقد جاءكم رسول من أنفسكم... ١٢٨ ( التوبة ) أي : من جنسكم تعرفون نشأته، وتعرفون خلقه وسيرته.
لكن، ما المثل المراد ؟
المثل : هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم... ٢٨ ( الروم )
يقول سبحانه : أريد أن أضرب لكم مثلا على أن الإله الواحد يجب عقلا ألا تشركوا به أشياء أخرى، والمثل أني أرزقكم، ومن رزقي لكم موال وعبيد، فهل جئتم للرزق الذي رزقكم الله وللعبيد وقلتم لهم : أنتم شركاء لنا في أموالنا تتصرفون فيها كما نتصرف نحن، ثم جعلتم لهم مطلق الحرية والتصرف. ليكونوا أحرارا أمثالكم تخافونهم في أن تتصرفوا دونهم في شيء كخيفتكم أنفسكم ؟ هل فعلتم ذلك ؟ بل هل تقبلونه على أنفسكم ؟ إذن : لماذا تقبلونه في حق الله تعالى وترضون أن يشاركه عبيده في ملكه ؟
إنكم لم تقبلوا ذلك في مواليكم وهم بشر أمثالكم ملكتموهم بشرع الله فائتمروا بأمركم. هذا معنى من أنفسكم... ٢٨ ( الروم ) أي : من البشر، فهم مثلكم في الآدمية، وملكيتكم لهم ليست مطلقة، فأنتم تملكون رقابهم، وتملكون حركة حياتهم، لكن لا تملكون مثلا قتلهم، ولا تملكون منعهم من قضاء الحاجة، لا تملكون قلوبهم وإرادتهم، ثم هو ملك قد يفوتك، كأن تبيعه أو تعتقه أو حتى بالموت. ومع ذلك ما اتخذتموهم شركاء، فعيب أن تجعلوا لله ما تستنكفون منه لأنفسكم.
ونلحظ هنا أن الله تعالى لم يناقشهم في مسألة الشركاء بأسلوب الخبر منه سبحانه، إنما اختار أسلوب الاستفهام وهو أبلغ في تقرير الحقيقة : هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم... ٢٨ ( الروم )
وأنت لا تعدل عن الخبر إلى الاستفهام عنه إلا وأنت تعلم وتثق بأن الإجابة ستكون في صالحك، فمثلا حين يذكر شخص جميلك فتقول مخبرا : فعلت معك كذا وكذا، والخبر يحتمل الصدق ويحتمل الكذب، وقد ينكر فيقول : لا لم تفعل معي شيئا.
أما حين تقول مستفهما : ألم أفعل معك كذا وكذا ؟ فإنك تلجئه إلى واقع لا يملك إنكاره، ولا يستطيع أن يفر منه، ولا يملك إلا أن يعترف لك بجميلك ولا أقل من أن يسكت، والسكوت يعني أن الواقع كما قلت.
لذلك يستفهم الحق سبحانه وهو أعلم بخلقه هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء... ٢٨ ( الروم ) لا بد أن يقولوا : لا ليس لنا شركاء في أموالنا، إذن : لماذا جعلتم الله شركاء ؟
وقوله تعالى : في ما رزقناكم... ٢٨ ( الروم ) سبق أن تحدثنا في مسألة الرزق وقلنا : إن الله تعالى هو الرازق، ومع ذلك احترم ملكية خلقه، واحترم سعيهم ؛ لأنه سبحانه واهب هذا الملك، ولا يعود سبحانه في هبته لخلقه ؛ لذلك لما أراد أن يحنن قلوب خلقه على خلقه قال : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا... ٢٤٥ ( لبقرة ) فاعتبر صدقتك على أخيك الفقير قرضا يرده إليك مضاعفا.
والرزق لا يقتصر على المال- كما يضن البعض- إنما رزقك كل ما انتفعت به فهو رزق ينبغي عليك أن تفيض منه على من يحتاجه، وأن تعديه إلى من يفتقده، فالقوي رزقه القوة يعديها للضعيف، والعالم رزقه العلم يعيده للجاهل، والحليم رزقه حلم يعديه للغضوب وهكذا، وإلا فالمال أهون ألوان الرزق ؛ لأن الفقير الذي لا يملك مالا ولم يتصدق أحد عليه قصارى ما يحدث له أن يجوع ويباح له في هذه الحالة أن يسأل الناس، وما رأينا أحدا مات جوعا.
لكن ينبغي على الفقير إن ألجأته الحاجة للسؤال أن يسأل بتلطف ولين، فإن كان جائعا لا يسأل الناس مالا إنما لقمة عيش وقطعة جبن أو ما تيسر من الطعام ليسد جوعته، وسائل الطعام لا يكذبه أحد لأنه ما سأل إلا عن جوع، حتى لو سألك وهو شبعان فأعطيته ما استطاع أن يأكل، أما سائل المال فقد نظن فيه الطمع وقصد الادخار. إذن : أفضح سؤال سؤال القوت.
لذلك في قصة الخضر وموسى عليهما السلام : حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما.. ٧٧ ( الكهف ) فلما منعوهم حتى لقمة العيش استحقوا أن يوصفوا بألأم الناس، وقد أباح الشرع للجائع أن يسأل الطعام من اللئيم فإن منعه فللجائع أن يأخذه ولو بالقوة، وإذا رفع أمره إلى القاضي أيده القاضي، لذلك يقولون : فيه : طالب قوت ما تعدى.
والحق سبحانه تكفل لك برزقك، إنما جعل للرزق أسبابا وكل ما عليك أن تأخذ بهذه الأسباب ثم لا تشغل بالك هما في موضوعه، وإياك أن تظن أن السعي هو مصدر الرزق، فالسعي سبب، والرزق من الله، وما عليك إلا أن تتحرى الأسباب، فإن أبطأ رزقك فأرح نفسك ؛ لأنك لا تعرف عنوانه، أما هو فيعرف عنوانك وسوف يأتيك يطرق عليك الباب٣.
والذي يتعب الناس أن يظل الواحد منهم مهموما لأمر الرزق مفكرا فيه، ولو علم أن الذي خلقه واستدعاه للوجود قد تكفل برزقه لاستراح، فإن أخطأت أسباب الرزق في ناحية اطمئن فسوف يأتيك من ناحية أخرى.
ونذكر هنا قصة عروة بن أذينة٤ وكان صديقا لهشام بن عبد الملك بالمدينة قبل أن يتولى هشام الخلافة، فلما أصبح هشام أميرا للمؤمنين انتقل إلى دمشق بالشام، أما عروة فقد أصابته فاقة، فلما ضاق به الحال تذكر صداقته القديمة لهشام، وما كان بينهما من ود، فقصده في دمشق عله يفرج ضائقته.
جاء عروة إلى دمشق واستأذن على الخليفة فأذن له، فدخل وعرض على صاحبه حاجته وكله أمل في أن ينصفه ويجبر خاطره، لكن هشاما لم يكن موفقا في الرد على صديقه حيث قال : أتيت من المدينة تسألني حاجتك وأنت القائل :
لقد علمت وما الإسراف من خلقي***أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
فقال عروة بعد أن كسر صديقه بخاطره : جزاك الله عنى خيرا يا أمير المؤمنين، لقد نبهت منى غافلا، وذكرت منى ناسيا، ثم استدار وخرج.
وعندها أراد هشام الأمر في نفسه وتذكر ما كان لعروة من ود وصداقة، وشعر بأنه أساء إليه فأنبه ضميره، فاستدعى صاحب الخزانة، وأمر لعروة بعطية كبيرة، وأرسل بها من يلحق به.
لكن كلما وصل الرسول إلى ( محطة ) وجد عروة قد فارقها حتى وصل إلى المدينة، ودق على عروة بابه، وكان الرسول لبقا، فلما فتح عروة الباب قال : ما بكم ؟ قال : رسل هشام، وتلك صلة هشام لك لم يرض أن تحملها أنت خوفا عليك من قطاع الطريق، أو تحمل مؤونة حملها، فأرسلنا بها إليك.
فقال عروة : جزى الله أميرا المؤمنين خيرا، قولوا له لقد ذكرت البيت الأول، ولو ذكرت الثاني لأرحت واسترحت، لقد قلت :
لقد علمت وما الإسراف من خلقي***أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى إليه فيعييني تطلبه***ولو قعدت أتاني لا يعنيني٥
ثم يقول سبحانه بعد هذا المثل : كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ٢٨ ( الروم ) أي : نبينها ونوضحها، بحيث لو عرضت على العقل مجردا عن الهوى لا ينتهي إلا إليها، ومعنى يعقلون٢٨ ( الروم ) من العقل، وسمي عقلا ؛ لأنه يعقل صاحبه ويقيده عما لا يليق.
والبعض يظن أن العقل إنما جعل لترتع به في خواطرك، إنما هو جاء ليقيد هذه الخواطر، ويضبط السلوك، يقول لك : اعقل خواطرك وادرسها لا تنطلق فيها على هواك تفعل ما تحب، بل تفعل ما يصح وتقول ما ينبغي. إذن : ما قصرنا في البيان ولا في التوضيح.
ويتجلى دور العقل المجرد وموافقته حتى للوحي في سيرة الفاروق عمر رضي الله عنه، وفي وجود رسول الله، وهو ينزل عليه الوحي يأتي عمر ويشير على رسول الله بأمور، فينزل الوحي م

١ سبب نزول الآية: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان يلبي أهل الشرك: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك، فأنزل اللهضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم.... ٢٨(الروم) أورده السيوطي في الدر المنثور (٦/٤٩٢) وعزاه للطبراني وابن مردويه..
٢ قول ابن كثير في تفسيره (١/٦٤): "قوله تعالى:فما فوقها... ٢٦(البقرة)فيه قولان: أحدهما: فما دونها في الصغر والحقارة. وهذا قول الكسائي وأبي عبيد قاله الرازي وأكثر المحققين.
والثاني: فما فوقها لما هو أكبر منها لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة، وهذا قول قتادة بن دعامة واختيار ابن جرير"..

٣ ومن شعر الشيخ رضي الله عنه:
تحر إلى الرزق أسبابه ولا تشغلن بعدها بالكا
فإنك تجهل عنوانه ورزقك يعرف عنوانكا.

٤ هو: عروة بن يحى(ولقبه أذينة) بن مالك بن الحارث الليثي: شاعر غزل مقدم، من أهل المدينة، وهو معدود من الفقهاء والمحدثين أيضا، ولكن الشعر أغلب عليه. توفى نحو١٣٠ هـ (الأعلام للزركلي ٤/٢٢٧). قال الإمام أبو عبيد البكري في " التنبيه على أوهام أبي على في أماليه" (ص٢٩): "روى عنه مالك وغيره من الأئمة"..
٥ ذكر هذه الأبيات خير الدين الزركلي في الأعلام(٤/٢٢٧) وعزاها لعروة بن أذينة. وأورد الأصفهاني أخباره في كتاب "الأغاني" ص ١٩١١ وذكر هذا الخبر بين عروة وهشام بن عبد الملك، وأورد هذين البيتين..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير