ثم يحدثنا الحق سبحانه عن الفارق بين الهدية والصدقة، فيقول :
وما آتيتم من ربا ١ ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون٣٩ }
الحق- سبحانه وتعالى- يعرف أن خلقه يفعلون الخير، ويطلبون الأجر عليه، لكن هذا الطلب قد يضيع إذا راءوا في أعمالهم، وقد يكون الأجر على قدر العمل إذا خلا من الرياء، لكن الحق سبحانه يريد أن يرتفع بالصدقة أو بالزكاة إلى مستوى عال، فيأخذ صاحبها الثمن من يد الله سبحانه مضاعفا، وطلب الزيادات يكون في النية.
فالمؤمن مثلا يعلم أنه إذا حيي بتحية فعليه أن يردها بخير منها، فقد يأتي فقير ويقدم لأحد الأغنياء هدية على قدر استطاعته، وفي نيته أن يردها الغنى بما يناسب غناه، إذن : فهو حين أعطى يطمع في الزيادة، وإن كانت غير مشروطة، ويجوز أن يرد الغني على الهدية بأفضل منها، ويجوز ألا يردها أصلا.
فقوله تعالى : وما آتيتم من ربا... ٣٩ ( الروم ) أي : الزيادة بأي ألوانها عما تعطي، وهذه الزيادة غير مشروطة في عقد، والزيادة تكون في المال، أو بأي وسيلة أخرى فيها نفع ؛ لأنهم قالوا في تعريف الربا : كل قرض جر نفعا فهو ربا٢.
حتى إن الإمام أبا حنيفة كان يجلس في ظل جدار لجاره، فلما طلب منه جاره مالا وأقرضه رآه الجار لا يجلس في ظل الجدار كما كان يجلس، فسأله عن ذلك فقال : كنت أجلس في ظل جدارك وأعلم أنه تفضل منك، أما الآن فأخاف أن أجلس فيه حتى لا تظن أن هذه الجلسة للمال الذي أخذته منى.
فالمعنى : وما آتيتم من ربا تبغون به الزيادة سواء أكانت نفعا، أو مالا، أو غير مال، سواء أكانت مشروطة أو غير مشروطة. قالوا : فما حكم الهدايا إن ردت بأحسن منها ؟ وما ذنبي أنا المعطى في ذلك ؟ قالوا : لا شيء فيها بشرط ألا تكون في نيتك الزيادة، وألا تكون هديتك مشروطة، إنما تكون تحببا وتوددا ومعروفا بين الناس، إنما لا تأخذ عليها ثوابا من الله.
وقوله ليربو في أموال الناس... ٣٩ ( الروم ) في هنا للظرفية، فالمال ظرف، وما تضعه فيه ينقص منه، ويزيد ما عندك فلا يربو عند الله... ٣٩ ( الروم ) يربو عندك أنت بالزيادة التي تأخذها ممن حييته، أما عند الله فلا يربو.
هكذا قال ابن عباس٣، وإن كان بعض العلماء قال : هي مطلق في الربا الأصل، وهذه مسألة كان يجب أن يشرع لها، لكن رأى ابن عباس أن آية الربا معروفة، وهذه للربا في زيادات التحية والمجاملات بين الناس.
ثم يقول سبحانه : وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك... ٣٩ ( الروم ) أي : الذين يؤتون الزكاة ويريدون بها وجه الله هم المضعفون٣٩ ( الروم ) ليست من الإضعاف، إنما من الأضعاف، فالزكاة أضعاف بالفتح كما في قوله : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له.... ١١ ( الحديد ) أما الربا فإضعاف بالكسر.
وهذه المسألة وقف عندها بعض المستشرقين الذين يحبون أن يستدركوا على كلام الله، قالوا : في القرآن آيات تصادم الحديث النبوي، فالقرآن يقول : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعف له... ١١ ( الحديد )
إذن : القرض الحسن يضاعف به الله الثواب، وعندكم أن الحسنة بعشر أمثالها. وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " مكتوب على باب الجنة : الحسنة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر " ٤ فلو أن القرض الحسن يضاعف الحسنة بعشر أمثالها، فهو بعشرين لا بثمانية عشر.
فقلنا له : لو تصدقت بدولار مثلا فقد عملت حسنة تضاعف لك إلى عشر، لكن أرد إليك دولارك الذي تصدقت به ؟ لا، إذن حقيقة الأمر أنك أخذت تسعة تضاعف إلى ثمانية عشر.
قالوا : فلماذا زاد ثواب القرض ؟ نقول : لأن المتصدق حين يتصدق ينقطع أمله فيما قدم، لكن المقرض لا يزال معلق البال في القرض ينتظر رده، فكلما صبر عليه أخذ أجرا، ثم أن المقترض لا يقترض إلا عن حاجة، أما المتصدق عليه فقد يقبل الصدقة وهو غير محتاج إليها، وربما كان ممن يكنزون المال.
إذن : فالحق سبحانه يريد أن ينمي القرض لماذا ؟ قالوا : لأن الله يريد أن تسير حركة الحياة، وأن تتكامل، وأنت تعتز بمالك وتخاف عليه وتريد له النماء، وسوف تجد هذا كله في القرض، فاجعله قرضا، فهو الباب الذي فتحه الله لك للزيادة وللثواب.
ثم إن الله تعالى احترم ملكيتك لمالك، وحرص على حمايته لك، فقال : يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه... ٢٨٢ ( البقرة )
فالله يحفظ عليك مالك لتهدأ بالا من ناحيته، ومع ذلك يترك مجالا لأريحية المعطي ومروءته فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه... ٢٨٣ ( البقرة )
وبهذه الفلسفة الإيمانية يدور المال وتسير به حركة الحياة، بحيث يضمن لصاحب المال ماله، لأنه محب له حريص عليه، ويضمن لمن لا مال له أن يتحرك من مال الغير، فإذا كانت هناك أمانة أداء، فكل صاحب أمانة عليه أن يؤديها لمستحقها.
فإن اختلت هذه الموازين، وماطل الفقير الغني، وضن عليه أن يرد إليه حقه، فقد فسد حال المجتمع وانهارت فيه هذه القيم، وساعتها لا نلوم القادر على العطاء إن أمسك ماله عن المحتاجين للقرض ولم لا ؟ والناس يأكلون الحقوق، وبذلك تتوقف حركة الحياة ويتراجع المجتمع عن مسايرة حركة التقدم.
فإذا كان الربا غير المشروط، وهو الربا في الهدايا والمجاملات والتحية بين الناس جعله الله للمروءات بين الناس، لا يثيب عليه ولا يعاقب، وقال عنه فلا يربو عند الله... ٣٩ ( الروم )
أما الربا المشروط فقد وقف معه وقفة حازمة، وشرع له عقابا، وجعل هذا العقاب من جنس ما يضاد غرض الذي رابى، فأنت ترابى لتزيد من مالك، فيقابلك الله بالنقصان يمحق الله الربا.... ٢٧٦ ( البقرة ) لماذا ؟
قالوا : لأن المعطى غني واجد، لديه فائض من المال يعطي منه، أما الآخذ فمحتاج، فكيف نطلب من المحتاج أن يزيد في مال الواجد غير المحتاج ؟ وكيف تكون نظرة المحتاج إليك حين يعلم أن عندك مالا يزيد عن حاجتك، ومع ذلك ترفض أن تقرضه القرض الحسن، بل تشترط عليه الزيادة، فتأخذ الزيادة منه وهو محتاج ؟
ثم افرض أنني أخذت هذا القرض لأثمره وأنميه فخسر، أليس كافيا أن أخسر أنا عملي، وأن يضيع مجهودي ؟ أمن العدل أن أخسر عملي، ثم أكون ضامنا للزيادة أيضا ؟ هذه ليست من العدالة ؛ لأن شرط العقد أن يحمي مصلحة الطرفين، أما عقد الربا فلا يحمى إلا مصلحة الدائن.
ونحن نرى حتى التشريعات الوضعية في الاقتصاد إذا أعطى البنك مالا لشخص لعمل مشروع مثلا ثم خسر وأرادوا تسوية حالته، أول شيء في إجراءاتهم أن يسقطوا عنه الفوائد.
وهذا يوافق شرع الله في قوله تعالى : وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون٢٧٩ ( البقرة ) ( لا تظلمون ) بمعنى : أن نرد إليكم رءوس أموالكم ؛ ( ولا تظلمون )أي : لا نظلمك من ناحية أخرى، فنقول لك :
إن أردت أن تتوب فرد ما أخذته بالربا بأثر رجعي ؛ لأن ما أخذته قد صرف وتصعب إعادته، وبذلك نراعي مصلحة الدائن حين نعيد إليه رأس المال، ومصلحة المدين، فلا نكلفه رد ما لا يقدر على رده.
وحين نتأمل هذه المسألة : الدول أقوى أم الأفراد ؟ الدول، أرأيتم دولة اقترضت مالا من دولة أخرى، ثم استطاعت أن تسدد فوائد هذا الدين فضلا عن أصل الدين ؟ كذلك الأفراد الأقوياء الذين يأخذون القروض، ثم لا يسددون مجرد الفوائد، ولا يستطيعون جدولتها ولا تسوية حالتهم، فيقعون في خصومات ومشاكل.
شيء آخر، هب أن رجلا لديه مثلا ألف جنيه ورجل لا عند له، صاحب الألف يستطيع أن يديرها، وأن يعيش منها، أما الآخر الذي لا يملك شيئا فيقترض ليعيش مثل صاحبه، فإن قلت له : الألف قرضا بمائة جنيه، فمن أين يوفر هذه المائة ؟
إن أخذها من عائد المال يخسر، وإن أخذها من السلعة بأن يقلل من الجودة أو من العناصر الفعالة في السلعة، أو في التغليف، جاءت السلعة أقل من مثيلاتها وبارت. إذن : لا بد أن يتحملها المستهلك، وهذا إضرار به، وهو ليس طرفا في العقد، إذن : العقد باطل.
وحين نقول : إن الإسلام صالح لكل زمان ومكان يجب أن نفهم هذه القضية جيدا، وإياك أن تقول : إن الإسلام لا يصلح في زمان كذا، أو في مكان كذا.
والآن نسمع البعض ينصرف عن منهج الإسلام ويقول لك لا يكلف الله نفسا إلا وسعها... ٢٨٦ ( البقرة ) أي : ليس في وسعه الآن تنفيذ شرع الله. لكن نقول له : من الذي يحدد الوسع ؟ أنت أم المشرع سبحانه ؟
ما دام الله تعالى قد كلف، فاعلم أن التكليف في وسعك، فخذ الوسع من التكليف، لا أن تقدر أنت الوسع وتنسى ما كلفك الله به، لذلك ترى أن الله تعالى إذا ضاق الوسع يخفف عنك دون أن تطلب أنت التخفيف، كما في صلاة وصوم المريض والمسافر... الخ وكما في التيمم إن تعذر استعمال الماء.
فلا معنى لأن نقول : عن تعاليم الدين لا تناسب العصر، إذن : اجعل العصر هو المشرع، وانصرف عن تشريع السماء إلى ما يحتمله العصر.
لذلك قلنا : إن الحق سبحانه حينما يلقى تكاليفه يقول : قل تعالوا... ١٥١ ( الأنعام ) فمعنى تعالوا : ارتفعوا عن مستوى أهواء البشر، واعلوا إلى تكاليف الله، فإن هبطت بالتكاليف إلى مستواك، وقلت ظروف العصر تحتم علي كذا وكذا فقد أخضعت منطق السماء لمنطق الأرض، وما جاء منطق السماء إلا ليعلو بك.
فإن نظرنا إلى مواقف العلماء من مسألة الربا، فمنهم من يحلل، ومنهم من يحرم وهم الكثرة، وهب أنهم متساوون من يحرم ومن يحلل، فما حكم الله فيما تساوت فيه الاجتهادات ؟
النبي صلى الله عليه وسلم أوضح لنا هذه القضية في قوله : " الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه " ٥.
فهل قال رسول الله : فمن فعل الشبهات أم : فمن ترك الشبهات ؟ إذن : من وقع في الشبهات لم يستبرئ، لا لدينه ولا لعرضه، وهل يرضى أحد أن يوصف هذا الوصف ؟ وعجيب أن نسمع من يقول : وما علاقة العرض بهذه المسألة ؟ نقول : والله حتى غير المؤمن بدين يستنكف أن يقال عنه أنه مراب، عرضه لا يقبلها فضلا عن دينه.
لذلك ؛ فالماكرون الذين يريدون أن يغلوها، ويريدون أن يعيشوا على دماء الناس لا يدرون أن النفعية هي القانون الذي يحكم الله به خلقه، فيجعل لهم الحسنة بعشر أمثالها، لذلك يقول اليهود : كيف تحرمون الربا والله يعاملكم به ؟
نعم، الحق- سبحانه وتعالى- يعاملنا بالربا، ويعطينا بالزيادة ؛ لأن هذه الزيادة لا تنقص مما عنده سبحانه، أما الزيادة من الناس ومن المحتاجين فإنها ترهقهم وتزيدهم فقرا وحاجة.
ثم دعك من هذا كله، وتأمل في المحيط الذي تعيش فيه، ففي كل بلد أناس يحبون الربا ويتعاملون به، أرأيتم مرابيا مات بخير ؟ أمات مراب وثروته كاملة ؟ لا، لأن الله تعالى لم يكن ليقول يمحق الله الربا... ٢٧٦ ( البقرة ) ثم يترك مرابيا ينمو ماله، ويسلم له إلى أن يموت، فإن اغتنى لحين، فإنما غناه كيد فيه، ومبالغة في إيذائه، كما جاء في الأثر " إذا غضب الله على إنسان رزقه من الحرام، فإن اشتد غضبه عليه بارك له فيه ".
واقرأ قول
٢ قال الشوكاني في نيل الأوطار (٥/٢٣٢):" مما يدل على عدم حل القرض الذي يجر إلى المقرض نفعا ما أخرجه البيهقي في المعرفة عن فضالة بن عبيد موقوفا بلفظ "كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا" ورواه في السنن الكبرى عن ابن مسعود وأبى ابن كعب وعبد الله بن سلام وابن عباس موقوفا عليهم. ورواه الحارث بن أبي أسامة من حديث علي عليه السلام بلفظ "إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قرض جو منفعة" وفي رواية" كل قرض جر منفعة فهو ربا" وفي إسناده سوار بن مصعب وهو متروك. قال عمر بن زيد في المغنى: لم يصح فيه شيء..
٣ قال ابن عباس وابن جبير وطاوس ومجاهد: هذه آية نزلت في هبة الثواب. قال ابن عطية: وما جرى مجراها مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه كالسلام وغيره فهو وإن كان لا إثم فيه فلا أجر فيه ولا زيادة عند الله تعالى. ذكره القرطبي في تفسيره (٧/٥٢٩٣)..
٤ أخرجه ابن ماجه في مسنده (٢٤٣١) من حديث أنس بن مالك قال قال صلى الله عليه وسلم "رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوبا: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر. فقلت: يا جبريل، ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ قال: لأن السائل يسأل وعنده. والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة"..
٥ حديث متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه(٢٠٥١)، وكذا مسلم في صححه (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه..
تفسير الشعراوي
الشعراوي