ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟ ﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱ

[سُورَة الرّوم (٣٠) : آيَة ٤٢]

قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢)
لَمَّا وَعَظَهُمْ بِمَا أَصَابَهُمْ مِنْ فَسَادِ الْأَحْوَالِ وَنَبَّهَهُمْ إِلَى أَنَّهَا بَعْضُ الْجَزَاءِ عَلَى مَا كَسَبَتْ أَيْدِيهِمْ عَرَضَ لَهُمْ بِالْإِنْذَارِ بِفَسَادٍ أَعَظَمَ قَدْ يَحِلُّ بِهِمْ مِثْلُهُ وَهُوَ مَا أَصَابَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ بِسَبَبِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ نَظِيرِ حَالِ هَؤُلَاءِ فِي الْإِشْرَاكِ فَأَمَرَهُمْ بِالسَّيْرِ فِي الْأَرْضِ وَالنَّظَرِ فِي مَصِيرِ الْأُمَمِ الَّتِي أَشْرَكَتْ وَكَذَّبَتْ مِثْلَ عَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ لُوطٍ وَغَيْرِهِمْ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدِ اجْتَازُوا فِي أَسْفَارِهِمْ بِدِيَارِ تِلْكَ الْأُمَمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ
[الصافات: ١٣٧- ١٣٨]. فَهَذَا تَكْرِيرٌ وَتَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ السَّابِقِ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الرّوم: ٩]، وَإِنَّمَا أُعِيدَ اهْتِمَامًا بِهَذِهِ الْعِبْرَةِ مَعَ مُنَاسَبَةِ قَوْلِهِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا [الرّوم: ٤١].
وَالْعَاقِبَةُ: نِهَايَةُ الْأَمْرِ. وَالْمرَاد بِالْعَاقِبَةِ الْجِنْسُ، وَهُوَ مُتَعَدِّدُ الْأَفْرَادِ بِتَعَدُّدِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ عَاقِبَةٌ.
وَجُمْلَةُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ، أَيْ سَبَبُ تِلْكَ الْعَاقِبَةِ الْمَنْظُورَةِ هُوَ إِشْرَاكُ الْأَكْثَرِينَ مِنْهُمْ، أَيْ أَنَّ أَكْثَرَ تِلْكَ الْأُمَمِ الَّتِي شُوهِدَتْ عَاقِبَتُهَا الْفَظِيعَةُ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ فَتَعْلَمُونَ أَنَّ سَبَبَ حُلُولِ تِلْكَ الْعَاقِبَةِ بِهِمْ هُوَ شِرْكُهُمْ، وَبَعْضُ تِلْكَ الْأُمَمِ لَمْ يَكُونُوا مُشْرِكِينَ وَإِنَّمَا أَصَابَهُمْ لِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلِهِمْ مِثْلَ أَهْلِ مَدْيَنَ قَالَ تَعَالَى: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ [الْقَمَر: ٤٣].
[٤٣]
[سُورَة الرّوم (٣٠) : آيَة ٤٣]
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣)
تَفَرَّعَ عَلَى الْإِنْذَارِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْ عَوَاقِبِ الشِّرْكِ تَثْبِيتُ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى

صفحة رقم 114

شَرِيعَتِهِ، وَوَعَدَ بِأَنْ يَأْتِيَهُ النَّصْرُ كَقَوْلِهِ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الْحجر: ٩٩]، مَعَ التَّعْرِيضِ بِالْإِرْشَادِ إِلَى الْخَلَاصِ مِنَ الشِّرْكِ بِاتِّبَاعِ الدِّينِ الْقَيِّمِ، أَيِ الْحَقِّ. وَهَذَا تَأْكِيدٌ لِلْأَمْرِ بِإِقَامَةِ الْوَجْهِ لِلدِّينِ فِي قَوْلِهِ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً [الرّوم: ٣٠]، فَإِنَّ ذَلِكَ لما فرع على قَوْلِهِ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الرّوم: ٩]، وَمَا اتَّصَلَ مَنْ تَسَلْسُلِ الْحُجَجِ وَالْمَوَاعِظِ فُرِّعَ أَيْضًا نَظِيرُهُ هَذَا عَلَى قَوْلِهِ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ [الرّوم: ٤٢] وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى نَظِيرِ قَوْلِهِ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ وَعَلَى مَعْنَى إِقَامَةِ الْوَجْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً [الرّوم: ٣٠].
والْقَيِّمِ بِوَزْنِ فَيْعِلٍ، وَهِيَ زِنَةٌ تَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ مَا تُصَاغُ مِنْهُ، أَيِ: الشَّدِيدُ الْقِيَامِ، وَالْقِيَامُ هُنَا مَجَازٌ فِي الْإِصَابَةِ لِأَنَّ الصَّوَابَ يُشَبَّهُ بِالْقِيَامِ، وَضِدَّهُ يُشَبَّهُ بِالْعِوَجِ، وَقَدْ جَمَعَهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً [الْكَهْف: ١، ٢] فَوُصِفَ الْإِسْلَامُ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ بِالْحَنِيفِ وَالْفِطْرَةِ وَوُصِفَ هُنَا بِالْقَيِّمِ. وَبَيْنَ أَقِمْ والْقَيِّمِ مُحْسِنٌ الْجِنَاسُ.
وَالْخِطَابُ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْأَمْرِ إِعْرَاضٌ عَنْ صَرِيحِ خِطَابِ الْمُشْرِكِينَ. وَالْمَقْصُودُ التَّعْرِيضُ بِأَنَّهُمْ حَرَمُوا أَنْفُسَهُمْ مِنِ اتِّبَاعِ هَذَا الدِّينِ الْعَظِيمِ الَّذِي فِيهِ النَّجَاةُ. يُؤْخَذُ هَذَا التَّعْرِيضُ مِنْ أَمْرِ النَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالدَّوَامِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَمِنْ قَوْلِهِ عَقِبَ ذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ الْآيَةَ.
وَالْمَرَدُّ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِنَ الرَّدِّ وَهُوَ الدَّفْعُ، ولَهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ، ومِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِ يَأْتِيَ ومِنْ ابْتِدَائِيَّةٌ. وَالْمُرَادُ (بِالْيَوْمِ) يَوْمُ عَذَابٍ فِي الدُّنْيَا وَأَنَّهُ إِذَا جَاءَ لَا يَرُدُّهُ عَنِ الْمُجَازَيْنِ بِهِ رَادٌّ لِأَنَّهُ آتٍ مِنَ اللَّهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ يَوْمُ بَدْرٍ.
ويَصَّدَّعُونَ أَصْلُهُ يَتَصَدَّعُونَ فَقُلِبَتِ التَّاءُ صَادًا لِتُقَارُبِ مَخْرَجَيْهِمَا لِتَأْتِيَ التَّخْفِيفَ بِالْإِدْغَامِ. وَالتَّصَدُّعُ: مُطَاوِعُ الصَّدْعِ، وَحَقِيقَةُ الصَّدْعِ: الْكَسْرُ وَالشَّقُّ، وَمِنْهُ تَصَدَّعَ الْقَدَحُ.
وَالْمُرَادُ بِالْيَوْمِ: يَوْمُ الْحَشْرِ. وَالتَّصَدُّعُ: التَّفَرُّقُ وَالتَّمَايُزُ. وَيَكُونُ ضَمِيرُ الْجَمْعِ عَائِدًا إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، أَيْ يَوْمئِذٍ يَفْتَرِقُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْكَافِرِينَ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ [الرّوم: ١٤- ١٦].

صفحة رقم 115

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية