ثم قَرَنَ بوصيته إياه بعبادة الله وحده البر بالوالدين. كما قال تعالى : وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [ الإسراء : ٢٣ ]. وكثيرا ما يقرن تعالى بين ذلك في القرآن.
وقال هاهنا وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ . قال مجاهد : مشقة وَهْن الولد.
وقال قتادة : جهدًا على جهد.
وقال عطاء الخراساني : ضعفا على ضعف.
وقوله : وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أي : تربيته وإرضاعه بعد وضعه في عامين، كما قال تعالى : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [ البقرة : ٢٣٣ ].
ومن هاهنا استنبط ابن عباس وغيره من الأئمة أن أقل مدة الحمل ستة أشهر ؛ لأنه قال تعالى في الآية الأخرى : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا [ الأحقاف : ١٥ ].
وإنما يذكر تعالى تربيةَ الوالدة وتعبها ومشقتها في سهرها ليلا ونهارًا، ليُذكّر الولد بإحسانها المتقدم إليه، كما قال تعالى : وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [ الإسراء : ٢٤ ] ؛ ولهذا قال : أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ أي : فإني سأجزيك١ على ذلك أوفر الجزاء.
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، ومحمود بن غَيْلان قالا حدثنا عبيد الله، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق٢ عن سعيد بن وهب قال : قدم علينا معاذ بن جبل، وكان بعثه النبي صلى الله عليه وسلم، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إني [ رسول ] ٣ رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم : أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تطيعوني لا آلوكم خيرًا، وأن المصير إلى الله، وإلى الجنة أو إلى النار، إقامة فلا ظعن، وخلود فلا موت.
٢ - في ت: "روى ابن أبي حاتم بسنده"..
٣ - زيادة من ت، أ..
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة