الحذف ليس بلازم له ويدل على ذلك قول الشاعر:
ارهن بنيك عندهم أرهن بني (١)
فالياء (٢) من بني مخففة للوقف، والتقدير بني يا هذا، فلما وقف عليه أسكن وخفف، والياء المحذوفة في نية (٣) الثبات، وحكمه يدلك على ذلك أنه كان على خلاف هذا الرد (٤) النون في بنين، فلما لم يرد النون في بنين علمت أنها في حكم الثبات (٥). وقد ذكرنا مثل هذا في أول الكتاب عند قوله في اسم الله.
وقوله: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ قال ابن عباس: يريد ليس من الذنوب شيء أعظم من الشرك بالله (٦).
قال أبو إسحاق: يعني أن الله هو المحي المميت الرازق المنعم وحده لا شريك له، فإذا أشرك به أحدًا غيره فذلك أعظم الظلم؛ لأنه جعل النعمة لغير ربها، وأصل الظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه (٧).
١٤ - قوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ نزلت في سعد بن أبي
(٢) في (أ): (فالهاء)، وهو خطأ.
(٣) في (ب): (بنية)، وهو خطأ.
(٤) هكذا في النسخ! ولعل الصواب: لرد، بدون ألف قبلها. انظر: "الحجة" ٤/ ٣٣٨.
(٥) إلى هنا من قوله عمران قد كنت جارك.. منقول من "الحجة" ٤/ ٣٣٦ وما بعدها، بتصرف يسير جدًّا.
(٦) لم أقف عليه.
(٧) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٤/ ١٩٦.
وقاص لما أسلم، وذكرنا القصة في أول سورة العنكبوت.
وقوله: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ ذكرنا تفسير الوهن عند قوله: فَمَا وَهَنُوا (١) قال ابن عباس والكلبي والسدي: ضعفا على ضعف (٢). قال أبو إسحاق: أي لزمها لحملها إياه أن (٣) تضعف مرة بعد مرة (٤) وانتصب هاهنا وهنا على المصدر، ودل قوله: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ على أن المعنى وهنت بحملها إياه وهنا على وهن. وهذا غير متصل بالكلام الأول في الآية. قال صاحب النظم: قوله: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ مبتدأ يقتضي جوابًا فلم [يأت به] (٥) وابتدأ في وصف الإنسان فقال: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ ونظم [به وصفًا] (٦) آخر فقال: وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ فإنما عدد الله -عز وجل- ذلك ليبين وجوب حق الوالدة بما لزمها من التعب والنصب في الولادة، فلما فرغ من ذلك رجع إلى خبر الابتداء فقال: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ على تأويل ووصينا الإنسان بوالديه أن اشكر لي ولوالديك.
قوله تعالى: وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ الفصال: الفطام، وهو أن يفصل الولد عن الأم كي لا يرضع. والتقدير: وفصاله في انقضاء عامين. قاله
(٢) لم أقف على من نسبه إلى ابن عباس أو الكلبي أو السدي، وإن كان أكثر المفسرين ذكروا هذا القول إلا أن الطبري نسبه للضحاك ٢١/ ٦٧، ونسبه الماوردي للحسن وعطاء ٤/ ٣٣٤.
(٣) (أن) ساقطة من (ب).
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٤/ ١٩٦.
(٥) ما بين المعقوفين طمس في (ب).
(٦) ما بين المعقوفين طمس في (ب).
الأخفش (١).
وجعله من باب حذف المضاف، والمعنى لانقضاء عامين. وهو أنه إذا تم للولد حولان فطم، وذكرنا ذلك عند قوله: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ [البقرة: ٢٣٣] الآية.
فقوله: وَفِصَالُهُ مبتدأ، وخبره في الظرف على تقدير: وفصاله يقع في انقضاء عامين. والمعنى ذكر مشقة الوالدة بإرضاع الولد بعد الوضع عامين.
قوله تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ قال ابن عباس: يريد أطعني وأطع والديك (٢).
قال مقاتل: أن اشكر لي إذ (٣) هديتك للإسلام، ولوالديك بما أولياك من النعم (٤).
وقوله: أَنِ اشْكُرْ لِي تفسير لمعنى الوصية، وجاز ذلك؛ لأن الوصية قوله، فكأنه قال: قلنا للإنسان أن اشكر لي ولوالديك. قال صاحب النظم [وقال صاحب] (٥) المعني: ووصينا الإنسان أن اشكر لي ولوالديك، أي: وصيناه شكرنا وشكر والديه. وقوله: وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ قال ابن عباس ومقاتل: إلى المرجع والمنقلب فأجزيك بعملك (٦).
(٢) لم أعثر عليه فيما لدي من مراجع.
(٣) في (ب): (أن).
(٤) "تفسير مقاتل" ٨٢ أ.
(٥) ما بين المعقوفين زيادة، ولعلها وهم من النساخ.
(٦) لم أعثر فيما لدي من مراجع على من نسب هذا التفسير لابن عباس، وفي "تفسير مقاتل" ٢/ ٢٦٦ قال: وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ فأجزيك بعملك.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي