تفسير المفردات : الوهن : الضعف، والفصال : الفطام.
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه أن لقمان أوتي الحكمة، فشكر ربه على نعمه المتظاهرة عليه وهو يرى آثارها في الآفاق والأنفس آناء الليل وأطراف النهار - أردف ذلك ببيان أنه وعظ ابنه بذلك أيضا، ثم استطرد في أثناء هذه المواعظ إلى ذكر وصايا عامة وصى بها سبحانه الأولاد في معاملة الوالدين رعاية لحقوقهم، وردّا لما أسدوه من جميل النعم إليهم، وهم لا يستطيعون لأنفسهم ضرا ولا نفعا، على ألا يتعدى ذلك إلى حقوقه تعالى، ثم رجع إلى ذكر بقية المواعظ التي يتعلق بعضها بحقوقه، وبعضها يرجع إلى معاملة الناس بعضهم مع بعض.
الإيضاح : ووصينا الإنسان بوالديه أي وأمرناه ببرهما وطاعتهما، والقيام بحقوقهما، وكثيرا ما يقرن القرآن بين طاعة الله وبر الوالدين كقوله : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ( الإسراء : ٢٣ ).
ثم ذكر منة الوالدة خاصة لما فيها من كبير المشقة، فقال :
حملته أمه وهنا على وهن أي حملته وهي ضعف يتزايد بازدياد ثقل الحمل إلى حين الطلق، ثم مدة النفاس.
ثم أردفها ذكر منة أخرى، وهي الشفقة عليه وحسن كفالته حين لا يملك لنفسه شيئا، فقال :
وفصاله في عامين أي وفطامه من الرضاع بعد وضعه في عامين تقاسي فيهما الأم في رضاعه وشؤونه في تلك الحقبة جمّ المصاعب والآلام التي لا يقدر قدرها إلا العليم بها، ومن لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
وقد وصى بالوالدين لكنه ذكر السبب في جانب الأم فحسب، لأن المشقة التي تلحقها أعظم، فقد حملته في بطنها ثقيلا، ثم وضعته وربته ليلا ونهارا، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم لمن سأله من أبرّ ؟ :" أمك، ثم أمك، ثم أمك "، ثم قال بعد ذلك :" ثم أباك ".
ثم فسر هذه الوصية بقوله :
أن اشكر لي ولوالديك أي وعهدنا إليه أن اشكر لي على نعمي عليك، ولوالديك لأنهما كانا السبب في وجودك، وإحسان تربيتك، وملاقاتهما ما لاقيا من المشقة حتى استحكمت قواك.
ثم علل الأمر بشكره محذرا إياه بقوله :
إلي المصير أي إلي الرجوع، لا إلى غيري، فأجازيك على ما صدر منك مما يخالف أمري، وسائلك عما كان من شكرك لي على نعمي عليك، وعلى ما كان من شكرك لوالديك وبرّك بهما.
وبعد أن ذكر سبحانه وصيته بالوالدين وأكد حقهما، ووجوب طاعتهما استثنى من ذلك حقوقه تعالى، فإنه لا يجب طاعتهما فيما يغضبه، فقال : وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما .
تفسير المراغي
المراغي