شريفًا، ومن يخير الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ تَفْتِنُهُ الدُّنْيَا وَلَا يُصِيبُ الْآخِرَةَ. فَعَجِبَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ حُسْنِ مَنْطِقِهِ، فَنَامَ نَوْمَةً فَأُعْطِيَ الْحِكْمَةَ، فَانْتَبَهَ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِهَا، ثُمَّ نُودِيَ دَاوُدُ بَعْدَهُ فَقَبِلَهَا وَلَمْ يَشْتَرِطْ مَا اشْتَرَطَ لُقْمَانُ، فَهَوَى فِي الْخَطِيئَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ، كُلُّ ذَلِكَ يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ لُقْمَانُ يُؤَازِرُهُ بِحِكْمَتِهِ (١). وَعَنْ خَالِدٍ الرَّبَعِيِّ قَالَ: كَانَ لُقْمَانُ عَبْدًا حَبَشِيًّا نَجَّارًا (٢). وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: كَانَ خَيَّاطًا (٣). وَقِيلَ: كَانَ رَاعِيَ غَنَمٍ. فَرُوِيَ أَنَّهُ لَقِيَهُ رَجُلٌ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِالْحِكْمَةِ فَقَالَ: أَلَسْتَ فُلَانًا الرَّاعِيَ فَبِمَ بَلَغْتَ مَا بَلَغْتَ؟ قَالَ: بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَتَرْكِ مَا لَا يَعْنِينِي (٤). وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ عَظِيمَ الشَّفَتَيْنِ مشقق الْقَدَمَيْنِ (٥). قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)
وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَاسْمُهُ أَنْعَمُ، وَيُقَالُ: مِشْكَمٌ، وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: "يَا بُنَيْ لَا تُشْرِكُ بِاللَّهِ" بِإِسْكَانِ الْيَاءِ، وَفَتَحَهَا حَفْصٌ، وَالْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ، "يَا بُنَيَّ إِنَّهَا" بِفَتْحِ الْيَاءِ حَفْصٌ، وَالْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ، "يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ"، بِفَتْحِ الْيَاءِ الْبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وَحَفْصٍ، وَبِإِسْكَانِهَا الْقَوَّاسُ، وَالْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا. وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شِدَّةً بَعْدَ شِدَّةٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ضَعْفًا عَلَى ضَعْفٍ. قَالَ مُجَاهِدٌ: مَشَقَّةً عَلَى مَشَقَّةٍ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَرْأَةُ إِذَا حَمَلَتْ تَوَالَى عَلَيْهَا الضَّعْفُ وَالْمَشَقَّةُ. وَيُقَالُ: الْحَمْلُ ضَعْفٌ، وَالطَّلْقُ ضَعْفٌ، وَالْوَضْعُ ضَعْفٌ. وَفِصَالُهُ أَيْ: فِطَامُهُ، فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ الْمَرْجِعُ، قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَقَدْ شَكَرَ اللَّهَ، وَمَنْ دَعَا لِلْوَالِدَيْنِ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَقَدْ شَكَرَ الْوَالِدَيْنِ.
(٢) أخرجه الطبري: ٢١ / ٦٧-٦٨.
(٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور: ٦ / ٥١٠ لابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن المنذر.
(٤) انظر: الطبري ٢١ / ٦٨، والدر المنثور: ٦ / ٥١٢.
(٥) أخرجه الطبري: ٢١ / ٦٧.
معالم التنزيل
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي
محمد عبد الله النمر