ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ

أخرج جويبر عن ابن عباس قال اشترى النضر بن الحارث قينة فكان لا يسمع بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول أطعميه وأسقيه وغنيه هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام وان تقاتل بين يديه فنزلت ومن الناس من يشتري لهو الحديث .
ومن الناس من يشتري لهو الحديث أي ما تلهي وتشتغل عما يفيد من الأحاديث التي لا أصل لها والأساطير التي لا اعتبار فيها والمضاحيك وفضول الكلام والإضافة بيانية بمعنى من إن أراد بالحديث المنكر أو تبعيضية أيضا بمعنى من إن أراد به الأعم منه وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس أنها نزلت في رجل من قريش إشترى جارية مغنية وروى البغوي عن أبي سلمة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا يحل تعليم المغنيات وأثمانهن حرام وفي مثل هذا نزلت ومن الناس من يشتري لهو الحديث الآية وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله شيطا نين أحدهما على هذا المنكب والأخر على هذا المنكب ولا يزالان يضربان بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت " أخرج الترمذي وغيره عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن طولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام " في مثل هذا أنزلت : ومن الناس من يشتري لهو الحديث ١ وقال البغوي قال مقاتل والكلبي نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة كان يتجر فيأتي الحيرة ويشتري بها أخبار الأعاجم ويحدث بها قريشا ويقول إن محمدا يحدثكم بحديث عاد وثمود وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن فأنزل الله هذه الآية وكذا أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس وقال مجاهد يعني القينات والمغنين ومعنى الآية على هذا من يشتري ذات لهو او ذا لهو الحديث أو المعنى من يشتري لهو الحديث أي يستبدل ويختار الغناء والمزامير والمعازف على القرآن قال مكحول من اشترى جارية ضرابة لتمسكها لغنائها وضربها مقيما عليه حتى يموت لم أصل عليه لان الله تعالى قال : ومن الناس من يشتري لهو الحديث الآية وعن ابن مسعود وابن عباس والحسن وعكرمة وسعيد بن جبير قالوا لهو الحديث الغناء والآية نزلت فيه وقال أبو الصهباء البكري سألت ابن مسعود عن هذه الآية قال هو الغناء والله الذي لا إله إلا هو يرددها ثلاث مرات وقال ابن جريج هو الطبل قلت مورد النص وإن كان خاصا وهو الغناء أو قصص الأعاجم لكن اللفظ عام والعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ومن هنا قال قتادة هو كل لهو ولعب وقال الضحاك هو الشرك.
مسألة :
اتخاذ المعازف والمزامير حرام باتفاق فقهاء الأمصار عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم " نهى عن ثمن الكلب وكسب الزما رة " رواه البغوي وعن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" يشربون الناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ويضرب على رؤوسهم المعازف والقينات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير " ٢ رواه ابن ماجه وصححه ابن حبان وأصله في صحيح البخاري وعن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء قيل وما هي يا رسول الله ؟ قال :" إذا كان المغنم دولا والأمانة مغنما والزكاة مغرما وأطاع الرجل زوجته وعق أمه وبر صديقه وجفا أباه وارتفعت الأصوات في المساجد وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره وشربت الخمر ولبست الحرير واتخذت القينات والمعا زف ولعن آخر هذه الآمة أولها فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء أو خسفا أو مسخا " ٣ رواه الترمذي وقال غريب.
مسألة :
قالت الفقهاء الغناء حرام بهذه الآية لكونه لهو الحديث وبما ذكرنا من الأحاديث وقالت الصوفية كان من الرجال ذي قلب مطمئن بذكر الله فارغا عن غيره لا يلتفت إلى ما سوى الله ولا يكون المغني محلا للشهوة وكان المجلس خاليا عن الأغيار ولا يكون وقت صلاة أو نحوها جاز له السماع بل يستحب لان في السماع خاصية أنه يستعمل به نار المحبة الجامدة المستورة في القلب وذلك هو السبب لحرمته فيحق العامة فإن العوام قلوبهم مشغولة بحب النساء أو الغلمان فعند السماع يشتعل ذلك المحبة ويشغلهم عن ذكر الله فكان في حقهم لهو الحديث ومن كان قلبه مشغولا بمحبة الله وذكره فارغا عن غيره يكون السماع في حقه موجبا لاشتغال محبة الله فيكون في حقه مستحبا والجواب عن النصوص أن الآية ناطقة بالحرمة لما هو لهو الحديث وسماع الصوفية ليس منه والأحاديث الموجبة لحرمة الغناء مخصوصه بالبعض لورود أحاديث آخر دالة على الإباحة فحملنا أحاديث حرمة الغناء على ما كان منه على قصد اللهو لا لغرض مشروع داعيا إلى الفسوق فلنذكر الأحاديث الدالة على إباحة الغناء بل على إباحة ضرب الدف أيضا منها حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت :" جاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل حين بنى علي فجلس على فراشي كمجلسك مني فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من أبائي يوم بدر إذ قالت إحداهن :
وفينا نبي يعلم ما في غد
فقال : دعي هذه وقولي ما كنت تقولين " ٤
رواه البخاري وروى ابن ماجه نحوه وفيه " أما هذا فلا تقولوه لا يعلم ما في غد إلا الله " ٥ وعن عائشة قالت " زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم " " ما كان معكم لهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو " ٦ رواه البخاري وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه سلم :" أعلنوا هذا النكاح وأجعلوه في المساجد وأضربوا عليه بالدفوف " ٧ رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن عائشة قالت : كانت عندي جارية من الأنصار زوجتها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يا عائشة ألا تغنين فإن هذا الحي من الأنصار يحبون الغناء " رواه ا بن حبان في صحيحه وعن ابن عباس قال أنكحت عائشة ذات قرابة لها من الأنصار فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أهديتم الفتاة قالوا نعم قالوا أرسلتم معها من تغني ؟ قالت لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الأنصار قوم فيه غزل فلو بعثتم معها من يقول : أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم " ٨ رواه ابن ماجه وعن عامر ابن سعد قال دخلت على قرظ بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس وإذا جوار تغنين فقلت أي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بدر يفعل هذا عندكم ؟ فقالا اجلس إن شئتم فاستمع معنا وإن شئت فاذهب فإنه قد رخص لنا في اللهو عند العرس وعن عائشة أن أبا بكر رضي الله عنه دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدففان وتضربان والنبي صلى الله عليه وسلم متفس بثوبه فانتهرهما أبو بكر فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن وجهه فقال :" دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد تلك أيام منى " ٩ رواه البخاري وعند ابن ماجه " إن لكل قوم عيدا هذا عيدنا " وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة قالت يا رسول الله إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف قال :" أوفي بنذرك " ١٠ رواه أبو داود وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا وفاء لنذر في معصية الله " ١١ رواه مسلم وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة ونزل في بني نجار صرن جوار من بني النجار يتغنين ويقلن :
نحن جوار من بني نجار *** يا حبذا محمدا من جار١٢
رواه ابن ماجه عن أنس وفيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" الله يعلم إني لأحبكن " وروى البيهقي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة جعل النساء والولائد والصبيان يقلن شعر :
طلع البدر علينا *** من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا *** ما دعى لله داع
أيها المبعوث فينا *** جئت بالأمر المطاع
وروى أحمد عن أنس لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة لعبت الحبشة بحرابها فرحا برسول الله صلى الله عليه وسلم وعن محمد بن حاطب الجمحي عن النبي صلى الله عليه ومسلم قال :" فصل ما بين الحلال والحرام الصوت الدف في النكاح " ١٣ رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه فظهر أن المحرم من الغناء ما يدعوا إلى الفسق ويشغل عن ذكر الله وما ليس كذلك فليس بحرام غير أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة رضي الله عنهم استماع الغناء تقربا إلى الله تعا لى ولأجل ذلك ما اختار الكرام من النقشبندية وغيرهم ارتكابه وإن لم يرتكبوا الإنكار عليه والله أعلم ليضل الناس عن سبيل الله أي عن دينه أو ذكره وقراءة كتابه قرأ ابن كثير وأبو عمر وليضل بفتح الياء على صيغة المجرد بمعنى يلبث على ضلاله ويزيد فيه بغير علم بحال ما يشتريه أو بالتجارة حيث استبدل اللهو بقراءة القرآن وقال قتادة بحسب المؤمن الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق ويتخذها أي آيات الله قرأ حمزة والكسائي ويعقوب وحفص بالمنصب عطفا على قوله ليضل والباقون بالعطف على قوله يشتري بالرفع هزوا مهزوا به سخرية أولئك لهم عذاب مهين ذو إهانة

١ أخرجه الترمذي في كتاب: البيوع باب: ما جاء في كراهية بيع المغنيات (١٢٧٩)..
٢ أخرجه ابن ماجه في كتاب: الفتن باب: العقوبات (٤٠٢٠)..
٣ أخرجه الترمذي في كتاب: الفتن باب: ما جاء في علامة حلول المسخ والخسف (٢٢١٠) وفيه من ضعف من فبل حفظه..
٤ أخرجه البخاري في كتاب: المغازي بابك شهود الملائكة بدرا (٤٠٠١)..
٥ أخرجه ابن ماجه في كتاب: النكاح باب: الغناء والدف (١٨٩٧)..
٦ أخرجه البخاري في كتاب: النكاح باب: النسوة اللاتي يهدين المرأة إلى زوجها (٤٨٦٧)..
٧ أخرجه الترمذي في كتاب: النكاح باب: ما جاء في إعلان النكاح (٥١٦٢)..
٨ أخرجه ابن ماجه في كتاب: النكاح بابك الغناء والدف (١٩٠٠)..
٩ أخرجه البخاري في كتاب: العيدين باب: إذا فاته العيد يصلي ركعتين وكذلك النساء ومن كان في البيوت والقوى (٩٨٧)..
١٠ أخرجه أبو داود في كتاب: الإيمان والنذور باب: ما يأمر به من وفاء النذر (٣٣٠٢)..
١١ أخرجه مسلم في كتاب: النذر باب: لا فاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك العبد (١٦٤١)..
١٢ أخرجه ابن ماجه في كتاب: النكاح باب: الغناء والدف (١٨٩٩)..
١٣ أخرجه الترمذي في كتاب: النكاح باب: ما جاء في إعلان النكاح (١٠٨٢) و أخرجه النسائي في كتاب النكاح باب: إعلان النكاح بالصوت وضرب الدف (٣٣٦٠)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير