ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝ ﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨ

إعراض الكافرين عن القرآن وإقبال المؤمنين عليه
[سورة لقمان (٣١) : الآيات ٦ الى ٩]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)
الإعراب:
وَيَتَّخِذَها بالنصب عطفا على لِيُضِلَّ وبالرفع عطفا على يَشْتَرِي أو على الاستئناف. وهاء يَتَّخِذَها يعود على السبيل لأنها مؤنثة كما في قوله تعالى: قُلْ: هذِهِ سَبِيلِي [يوسف ١٢/ ١٠٨] وتذكّر كما في قوله تعالى: وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا [الأعراف ٧/ ١٤٦]. وباء بِغَيْرِ عِلْمٍ للحال، تقديره:
ليضل عن سبيل الله جاهلا.
وَلَّى مُسْتَكْبِراً حال من ضمير وَلَّى وكاف كَأَنْ لَمْ في موضع نصب على الحال، تقديره: ولّى مستكبرا مشبها من في أذنيه وقر، وقوله: كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ حال أخرى أو بيان للحال الأولى.
لَهُمْ جَنَّاتُ مرفوع بالجار والمجرور لوقوعه خبرا عن المبتدأ وخالِدِينَ منصوب على الحال من هاء وميم لَهُمْ.
البلاغة:
مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ استعارة تصريحية، شبه حاله بحال من يشتري سلعة وهو خاسر فيها، واستعار لفظ يَشْتَرِي لمعنى «يستبدل» بطريق الاستعارة.
كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً تشبيه مرسل مجمل، حذف منه وجه الشبه، وذكر فيه أداة التشبيه.

صفحة رقم 130

فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ أسلوب تهكم لأن البشارة المستعملة في الخير استعملت في الشر تهكما وسخرية.
بِعَذابٍ أَلِيمٍ جَنَّاتُ النَّعِيمِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ مراعاة الفواصل في الحرف الأخير، وهو السجع الحسن غير المتكلف.
المفردات اللغوية:
لَهْوَ الْحَدِيثِ ما يلهي منه عما يعني ويفيد من الحكايات والأساطير والمضاحك وفضول الكلام، وكتب الأعاجم، والجواري المغنيات. واللهو: كل باطل ألهى عن الحق والخير. وقد اشتريت تلك الملاهي بالفعل، والإضافة بيانية بمعنى «من» إن أراد بالحديث المنكر، وتبعيضية إن أراد به الأعم منه لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ليصرف الناس عن دين الله وهو طريق الإسلام، أو قراءة كتابه بِغَيْرِ عِلْمٍ غير عالم بحال ما يشتريه، أو بالتجارة، حيث استبدل اللهو بقراءة القرآن وَيَتَّخِذَها هُزُواً ويتخذ السبيل سخرية مهزوءا بها لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ عذاب فيه غاية الإهانة لإهانتهم الحق باستئثار الباطل عليه.
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا القرآن وَلَّى مُسْتَكْبِراً متكبرا لا يعبأ بها كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها مشابها حاله حال من لم يسمعها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً مشابها من في أذنيه صمم أو ثقل يمنع من السماع فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ أعلمه بوقوعه في عذاب مؤلم لا محالة، وذكر البشارة تهكم به لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ أي لهم نعيم جنات، فعكس للمبالغة خالِدِينَ فِيها أي مقدرا خلودهم فيها إذا دخلوها وَعْدَ اللَّهِ، حَقًّا مصدران مؤكدان: الأول لنفسه، والثاني لغيره، أي وعدهم الله ذلك وحقه حقا لأن قوله لَهُمْ جَنَّاتُ وعد، وليس كل وعد حقا وَهُوَ الْعَزِيزُ الذي لا يغلبه شيء، فيمنعه من إنجاز وعده ووعيده الْحَكِيمُ الذي لا يضع شيئا إلا في محله، ولا يفعل إلا ما تستدعيه حكمته.
سبب النزول: نزول الآية (٦) :
أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ قال: نزلت في رجل من قريش اشترى جارية مغنية. وأخرج جويبر عن ابن عباس قال: نزلت في النضر بن الحارث اشترى قينة (مغنية)

صفحة رقم 131

وكان لا يسمع بأحد يريد الإسلام، إلا انطلق به إلى قينته، فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه، هذا خير مما يدعوك إليه محمّد من الصلاة والصيام، وأن تقاتل بين يديه، فنزلت.
وقال مقاتل: نزلت في النضر بن الحارث، كان يخرج تاجرا إلى فارس، فيشتري كتب الأعاجم، فيرويها ويحدّث بها قريشا، ويقول لهم: إن محمدا صلّى الله عليه وسلّم يحدثكم حديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم حديث رستم وإسفنديار، وأخبار الأكاسرة، فيستملحون حديثه، ويتركون سماع القرآن.
المناسبة:
بعد بيان أن القرآن كتاب حكيم يشتمل على آيات حكيمة، وبعد بيان حال السعداء المهتدين بهديه، المنتفعين بسماعه، بيّن الله تعالى حال الكفار الأشقياء التاركين له المشتغلين بغيره، وأعقبه بوعيدهم بالعذاب المهين المؤلم، وعطف عليه وعد المؤمنين به المقبلين على تلاوته، الملتزمين حدوده من أوامر ونواه.
التفسير والبيان:
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَيَتَّخِذَها هُزُواً، أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ أي وهناك فريق من الناس يستبدل بالنافع الضار، وبالقرآن الشافي ما يتلهى به من الحكايات والأساطير وفضول الكلام، والمضاحك، والاستماع إلى غناء الجواري، كالنضر بن الحارث الذي كان يشتري كتب الفرس ويحدّث بها الناس، ويقتني المغنيات لاجتذاب الشبان، وإغراء من أسلم حديثا، لحملة على ترك الإسلام، وإضلاله عن دين الله وهو دين الإسلام، والصد عنه، واتخاذه هزوا وسخرية، جهلا بخطورة ما يفعل من استبدال اللهو بقراءة القرآن، وأولئك وهم الموغلون في الكفر والضلال يحيق بهم عذاب بالغ الإهانة. وقوله عَذابٌ مُهِينٌ للتفرقة بين عذاب الكافر وعذاب

صفحة رقم 132

المؤمن، فإن عذاب المؤمن للتطهير، فهو غير مهين، وأما عذاب الكافر فهو في غاية الإهانة، فكما استهان بآيات الله وسبيله أهين يوم القيامة في العذاب الدائم المستمر.
وقوله لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بضم الياء معناه لمخالفة الإسلام وأهله ومعاداتهم، واللام لام التعليل، أي ارتكب هذا الفعل من أجل الإضلال والصد عن سبيل الله. وعلى قراءة فتح الياء تكون اللام لام العاقبة، أي لتكون عاقبة أمره الإضلال، واتخاذ آيات الله هزوا وسخرية.
ثم وصف الله تعالى هؤلاء المضلين بالإمعان في الضلال والكفر، وازدياد الإعراض والنفور عن دين الله، فقال:
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً، كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها، كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً، فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ أي إن من يشتري الحديث الباطل إذا تليت عليه آيات القرآن أدبر وأعرض عنها متكبرا، وتصامم عن سماعها، وإن لم يكن به صمم، كأنه ما سمعها، وكأن في أذنيه صمما وثقلا لأنه يتأذى بها، ولا ينتفع منها، ولا أرب له فيها، فبشر هذا المعرض بعذاب يؤلمه يوم القيامة، كما تألم بسماع كتاب الله وآياته.
وبعد بيان حال هؤلاء الأشقياء، ذكر الله تعالى مآل الأبرار السعداء في الدار الآخرة، فقال:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ، خالِدِينَ فِيها، وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أي إن الذين آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين، وعملوا الأعمال الصالحة من الائتمار بالأوامر الشرعية، واجتناب المحظورات والمناهي، لهم جنات يتنعمون فيها بأنواع الملاذ والمسارّ من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن، والمراكب وغير ذلك من المتع مما لم يخطر لأحدهم ببال، وهم

صفحة رقم 133

فيها مقيمون دائما لا يظعنون، ولا يبغون عنها حولا.
وهذا كائن لا محالة لأنه وعد الله الذي لا يخلف وعده لأنه الكريم المنّان، الفعال لما يشاء، القادر على كل شيء.
وهو العزيز القوي الذي قهر كل شيء ودان له كل شيء، فلا ينجو منه مشرك ولا غيره، وهو الحكيم في أقواله وأفعاله، الذي جعل القرآن هدى للمؤمنين. ونحو موضوع الآيتين السابقتين قوله تعالى: قُلْ: هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى [فصلت ٤١/ ٤٤] وقوله سبحانه: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [الإسراء ١٧/ ٨٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
١- إن من أعظم الجرائم الإعراض عن سماع القرآن كلام الله، وشغل الناس بسماع غيره من أنواع الكلام غير المفيد من القصص والأساطير والمضاحيك ونحو ذلك من ألوان اللهو والعبث، بقصد الإضلال والصد عن دين الله تعالى، ويستحق المعرض المتولي تكبرا عن القرآن عذابا أليما.
٢- استدل ابن مسعود وابن عباس وغيرهما بقوله: لَهْوَ الْحَدِيثِ على منع استماع المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب.
وهذه الآية إحدى الآيات الثلاث التي استدل بها العلماء على كراهة الغناء والمنع منه. والآية الثانية: قوله تعالى: وَأَنْتُمْ سامِدُونَ [النجم ٥٣/ ٦١] قال ابن عباس: هو الغناء، بالحميريّة اسمدي لنا، أي غنّي لنا. والآية الثالثة:
قوله تعالى: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ [الإسراء ١٧/ ٦٤] قال مجاهد: الغناء والمزامير.

صفحة رقم 134

روى الترمذي وغيره من حديث أنس وغيره عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «صوتان ملعونان فاجران أنهى عنهما: صوت مزمار، ورنّة شيطان عند نغمة ومرح، ورنّة عند مصيبة لطم خدود، وشق جيوب»
وأخرج أبو طالب الغيلاني عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «بعثت بكسر المزامير»
وأخرج ابن بشران عن ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «بعثت بهدم المزامير والطبل»
وروى ابن المبارك عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من جلس إلى قينة يسمع منها، صبّ في أذنه الآنك «١» يوم القيامة».
وبناء عليه، قال العلماء بتحريم الغناء.
حكم الغناء عند الفقهاء:
للفقهاء، ومنهم علماء المذاهب الأربعة على المعتمد لديهم تفصيل في حكم الغناء هو ما يأتي «٢» :
أ- الغناء الحرام: هو الذي يحرّك النفوس، ويبعثها على الهوى والغزل، والمجون، بكلام يشبّب فيه بذكر النساء ووصف محاسنهن، وذكر الخمور والمحرّمات لأنه اللهو والغناء المذموم بالاتفاق. وإذا لم يجز فأخذ الأجرة عليه لا يجوز ب- الغناء المباح: هو ما سلم مما ذكر، فيجوز القليل منه في أوقات الفرح كالعرس والعيد، وعند التنشيط على الأعمال الشاقة، كما كان في حفر الخندق حول المدينة، وحدو أنجشة «٣».

(١) الآنك: الرصاص. إلا أن الحديث ضعيف.
(٢) تفسير القرطبي: ١٤/ ٥٤
(٣) أنجشة: هو عبد أسود كان يسوق إبل نساء النبي صلّى الله عليه وسلّم عام حجة الوداع، وكان حسن الحداء، وكانت الإبل تزيد في الحركة بحدائه.

صفحة رقم 135

ج- أما ما ابتدعته الصوفية اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلات المطربة من الشبّابات «١» والطار والمعازف والأوتار فحرام. وفي اليراعة «٢» تردد، والدف مباح.
د- وأما طبل الحرب فلا حرج فيه لأنه يهيج النفوس، ويرهب العدو، فقد ضرب بين يدي النبي صلّى الله عليه وسلّم يوم دخل المدينة، فهمّ أبو بكر بالزجر،
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «دعهن يا أبا بكر حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح»
فكنّ يضر بن ويقلن:

نحن جوار من بني النجار يا حبّذا محمد من جار
هـ- لا بأس من استعمال الدّفّ في حفلات الزفاف، وكذا الآلات المشهرة بالزواج والغناء بحسن الكلام الذي لا فحش فيه.
وسماع الغناء من المرأة التي ليست بمحرم لا يجوز. والاشتغال بالغناء على الدوام سفه ترد به الشهادة، فإن لم يدم لم تردّ.
ونقل عن أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل القول بكراهة الغناء. وقال الطبري: أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء والمنع منه.
٣- عادة القرآن مقابلة الأشياء بأضدادها لبيان الفرق والترغيب والترهيب، فبعد أن ذكر عذاب الكفار ذكر نعيم المؤمنين، وهو أن للمؤمنين الذي يعملون صالح الأعمال المأمور بها شرعا نعيم الجنان، دائمين فيها، ووعدهم الله هذا وعدا حقا لا خلف فيه، وهو وعد العزيز الذي لا يغلب ولا يعجزه شيء، الحكيم في صنعه وفعله.
(١) الشبّابة: قصبة الزمر.
(٢) اليراعة: مزمار الراعي. [.....]

صفحة رقم 136

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية