ﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹ

قوله تعالى :«أَئِذَا ضَلَلْنَا » تقدم خلاف القراء في الاستفهامين١، والواو للعطف على ما سبق فإنهم قالوا محمد ليس برسول، والله ليس بواحد وقالوا : الحشر ليس بممكن، فالعامل في «إذا » محل تقديره٢ «نُبْعَثُ أو نَخْرُجُ » لِدَلاَلَةِ :«خَلْقِ جَدِيدٍ » عليه ولا يعمل فيه «خَلْقٍ جَدِيدٍ » ؛ لأن ما بعد «إنَّ » والاستفهام لا يعمل فيما قبلهما، وجواب «إذاً » محذوف إذا جعلتها شرطية٣. وقرأ العامة «ضَلَلْنَا » بضاد معجمة، ولام مفتوحة بمعنى ذَهَبْنَا٤، وضِعْنَا من قولهم : ضَلَّ اللبنُ في الضرع وقيل : غُيِّبْنَا، قال النابغة :

٤٠٦٣ - فآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنِ جَلِيَّة وَغُودِرُ بالجُولاَنِ حَزمٌ وَنَائِلُ٥
والمضارع من هذا : يَضِل بكسر العين وهو كثير، وقرأ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ وابنُ مُحَيْصنٍ وأَبُو رَجَاءٍ : بكسر اللام٦ وهي لغة العالية، والمضارع من هذا يَضَلُّ بالفتح، وقرأ علي وأبو حَيْ( وَة )٧ «ضُلِّلْنَا » بضم الضاد وكسر اللام المشددة من «ضَلَّلَهُ » بالتشديد٨، وقرأ عَلِيٌّ أيضاً وابن عباس والحسن والأعمش وأبان بن سعيد :«صَلَلْنَا » بصاد مهملة، ولام مفتوحة، وعن الحسن أيضاً صَلِلْنَا بكسر اللام.
وهما لغتان٩، يقال : صَلَّ اللحمُ بفتح الصاد وكسرها لمجيء الماضي مَفْتُوحَ العين ومَكْسُورَها، ومعنى صَلَّ اللَّحْمُ أنْتَنَ وتَغيَّرتَ رَائِحَتُهُ ويقال أيضاً : أَصَلَّ بالألف قال :
٤٠٦٤ - تُلَجْلِجُ مُضْغَةً فِيهَا أنِيضُ أَصَلَّتْ فَهيَ تَحْتَ الكَشْحِ دَاءُ١٠
وقال النحاس : لا يعرف في١١ اللغة «صَلَلْنَا » ولكن يقال : صَلَّ اللَّحْمُ وأَصَلَّ، وخَمَّ وأَخَمَّ وقد عَرَفَها غَيْرُ أَبِي جَعْفَر١٢.

فصل :


قال في تكذيبهم بالرسالة :«أَمْ يَقُولُونَ » بلفظ المستقبل وقال في تكذيبهم بالحشر :«وَقَالُوا » بلفظ الماضي ؛ لأن تكذيبهم بالرسالة لم يكن قبل وجوده، وإنما كان حال وجوده فقال :«يَقُولُونَ » يعني هم فيه. وأما إنكار الحشر فكان سابقاً صادراً منهم ومن آبائهم فقال :«وَقَالُوا » وصرح بقولهم في الرسالة فقال :«أَمْ يَقُولُونَ » وفي الحشر فقال : وقالوا أَئِذَا ضَلَلْنَا ولم يصرح بقولهم في الوحدانية ؛ لأنهم كانوا مصرين في جميع الأحوال على إنكار الحشر والرسالة وأما الوحدانية فكانوا يعترفون بها في بعض الأحوال في قوله : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله [ لقمان : ٢٥ ] فلم يقل : قالوا إن الله ليس بواحد وإن كانوا قالوه في الظاهر.
فإن قيل : إنه ذكر الرسالة من قبل وذكر دليلها ( وهو التنزيل الذي لا ريب١٣ فيه وذكر الوحدانية وذكر دليلها وهو ) خَلْقُ السماوات والأرض وخَلْقُ الإنسان من طين، ولما ذكر إنكارهم الحشرَ لم يذكر الدليل ؟.
فالجواب : أنه ذكر دليله أيضاً وهو أن خلق الإنسان ابتداءً دليل على قدرته على الإعادة ولهذا استدل ( تعالى )١٤ على إمكان الحشر بالخلق الأول كما قال : ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [ الروم : ٢٧ ] وقوله : قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [ يس : ٧٩ ] وأيضاً خلق السماوات والأرض كما قال : أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بِقَادِرٍ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بلى [ يس : ٨١ ].
قوله : إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ استفهام إنكاري أي إننا كائنونَ في خلق جديد أو واقعون فيه بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ إضراب عن الأول يعني ليس إنكارهم لمجرد الخلق ثانياً بل يكفرون بجميع أحوال الآخرة حتى لو صدقوا بالخلق الثاني لما اعترفوا بالعذاب والثواب. أو يكون المعنى لم ينكروا البعث لنفسه بل لكفرهم بلقاء الله فإنهم كَرِهُوهُ فأنكروا المُفْضي إلَيْهِ،
١ يشير إلى الآية (٥) من سورة الرعد وهي قوله: "أئذا كنا تراباً أئنا لفي خلق جديد"..
٢ انظر: مشكل إعراب القرآن ٢/١٨٧..
٣ بخلاف لو كانت غير شرطية كالظرفية فتكون في موضع نصب "بضللنا" ويؤيد هذا قراءة "أئنا" على الإخبار. والمعنى: أنبعث إذا ضللنا في الأرض..
٤ غريب القرآن لابن قتيبة ٣٤٦ والقرطبي ١٤/١١٠..
٥ له من بحر الطويل وقبله:
فإن تحي لا أملك حياتي وإن تمت فما في حياة بعد موتك طائل
وهو يرثي بهما النعمان بن الحارث الغساني. والشاهد فيه كلمة: "مضلوه" أي دافنوه وهذه الكلمة تؤكد معنى ضللنا فعلى هذا الرأي وهو التغيب كما يغيّب المدفون في التراب. وانظر: ديوان النابغة ١٢١ و ٢٥٤ و"الجولان" موضع معروف بسوريا، وبعين جلية: أي بخبر صادق فالكرم والجود ذهبا بذهابه. انظر: القرطبي ١٤/٩١ واللسان: " ض ل ل" ٢٦٠٤ والكشاف ٣/٢٤٢ ورواية الكشاف: "وآب" بالواو..

٦ ذكرها ابن خالويه في مختصره ١١٧، وانظر أيضاً إعراب القرآن للنحّاس ٤/٢٩٣ والبحر ٧/٢٠٠ ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج ٤/٢٠٥ ومعاني القرآن للفراء ٢/٣٢١..
٧ تصحيح أبي حيوة فكانت في كلتا النسختين "حياة"..
٨ مختصر ابن خالويه أيضاً وهي قراءة شاذة ١١٧ وانظر أيضاً معاني الفراء ٢/٢٣١ ومعاني الزجاج ٤/٢٠٥ وإعراب القرآن للنحاس ٣/٢٩٣ والمحتسب ٢/١٧٤..
٩ انظر: إعراب القرآن للنحاس ٤/٢٩٣ ومعاني الفراء ٢/٢٣١ ومعاني الزجاج ٤/٢٠٥..
١٠ من تمام الوافر لزهير بن أبي سلمى، والشاهد فيه" أَصَلَّ" حيث جاء الفعل بهمزة وهو معنى الفعل الثلاثي "صَلَّ" فالمعنى واحد وهو التغير والتنتُّنُ. وانظر: اللسان مادة:" صَ. لَ. لَ" ٢٤٨٧ والمحتسب ٢/١٧٤ وكامل المبرد ١/١٤ وديوانه ٨٣، والأنيض مصدر لقولنا: أَنَضَ اللحمُ يأنِضُ إذا تغير..
١١ انظر: إعراب القرآن للنحاس ٣/٢٩٣..
١٢ هذا كلام الشارح أي إنها عرفت لدى العلماء على خلاف زعم أبي جعفر النحاس ووجهة نظر النحاس أن السماع هو المعول عليه ولذلك قال: سمع صَلَلْنَا بالفتح، وانظر: الدر المصون ٤/٣٥٨ والبحر المحيط ٧/٢٠٠..
١٣ ما بين القوسين ساقط من "ب"..
١٤ ساقط من "ب"..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية