قل مَن ذَا الذي يَعصِمُكُم من الله أي : يمنعكم مما أراد الله إنزاله بكم ؛ إن أراد بكم سوءاً في أنفسكم، من قتل أو غيره، أو أراد بكم رحمةً أي : أراد بكم إطالة عمر في عافية وسلامة. أو : مَن يمنع الله من أن يرحمكم، إن أراد بكم رحمة، فَحُذِفَ ؛ بعدا واختصارا، لما في العصمة من معنى المنع، أو : من ذا الذي يعصمكم ؛ إن أراد بكم سوءاً، أو يصيبكم بسُوء، إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام. ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ينفعهم، ولا نصيراً يدفع العذاب عنهم.
الإشارة : ولقد كان عاهدَ الله ؛ مَنْ دخل في طريق القوم، ألاَّ يولي الأدبارَ، ويرجع إلى الدنيا والاشتغال بها حتى يتفتّر عن السير، وكان عهد الله مسؤولاً، فيسأله الحق تعالى عن سبب رجوعه عن الإرادة، ولماذا حَرَمَ نَفْسَهُ من لذيذ المشاهدة ؟ قل - لمَن رجع، ولم يقدر على مجاهدة نفسه : لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت لنفوسكم، أو القتل ؛ بمجاهدتها وتجميلها بعكس مرادها، وتحميلها ما يثقل عليها، وإذا لا تُمتعون إلا قليلاً، ثم ترحلون إلى الله، في غم الحجاب وسوء الحساب. قل : مَن ذا الذي يعصمكم من الله، إن أراد بكم سوءاً ؟ وهو البُعد والطرد، أو : مَن يمنعكم من رحمته، إن أراد بكم رحمة، وهي التقريب إلى حضرته، فلا أحد يعصمكم من إبعاده، ولا أحد يمنعكم من إحسانه ؛ إذ لا وليّ ولا ناصر سواه. اللهم انصرنا بنصرك المبين، وارحمنا برحمتك الخاصة، حتى تُقَرِّبَنَا إلى حضرتك، بفضل منك وجودك، يا أرحم الراحمين.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي