ثم يقول الحق سبحانه :
قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ( ١٧ ) .
المعنى : قل لهم يا محمد من الذي يَعْصِمُكُم.. ( ١٧ ) [ الأحزاب ] أي : يمنعكم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً.. ( ١٧ ) [ الأحزاب ] كما قال في موضع آخر : لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ.. ( ٤٣ ) [ هود ].
فإذا أردا الله بقوم سوءا فلا عاصم لهم ؛ لأنه لا يمتنع أحد مع الله ؛ لأنه لا يوجد معه سبحانه إله آخر يدفع السوء عن هؤلاء.
والإشكال الذي يحتاج إلى توضيح هنا قوله تعالى : أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً.. ( ١٧ ) [ الأحزاب ] فكيف تكون العصمة من الرحمة ؟ قالوا : يعصم هنا بمعنى يمنع، والمعنى : لا يمنع أحد من أعدائكم رحمة الله إن أراد الله بكم رحمة.
ونلحظ على سياق الآية أنها جاءت بأسلوب الاستفهام، ولم تأت على صورة الخبر، فلم يقل القرآن لمحمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد، لا يعصم أحد من الله إن أرادكم بسوء، لأن الجملة الخبرية محتملة للصدق وللكذب، إنما شاء الله أن يجعلها جملة إنشائية استفهامية، ليقرروا هم بأنفسهم هذه الحقيقة، كأنه تعالى يقول لهم : لقد ارتضيت حكمكم أنتم، ولو لم يكن الحق سبحانه واثقا من أن الجواب لن يأتي إلا : لا أحد لما جاء بالأسلوب في صورة استفهام، إذن : فالاستفهام هنا آكد في تقرير صدق هذه الجملة.
كذلك أنت تلجأ إلى هذا الأسلوب في الردّ على من ينكر جميلك، فتقول : ألم أحسن إليك يوم كذا وكذا ؟ فلا يملك عندها إلا الإقرار.
ثم يقول سبحانه : وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ( ١٧ ) [ الأحزاب ] الولي : هو القريب منك، وأنت لا تقرب منك إلا من ترجو نفعه، هو الذي يليك أو يواليك، فحبّه يسبق الحدث، فإذا ما جاء الحدث حمله حبّه لك على أن يدافع عنك.
والنصير : قريب من معنى الولي، ويدافع أيضا عنك، لكن يأتي دفاعه بعد الحدث، وقد يكون ممن لا قرابة بينك وبينهم.
والمعنى : حين يريد الله أحدا بسوء فلن يجد أحدا يمنعه من الله، لا الولي ولا النصير.
تفسير الشعراوي
الشعراوي